السكة – المحطة الفلسطينية
في مثل هذا اليوم قبل عامين، في السابع من أكتوبر 2023، انكسرت أسطورة التفوق الإسرائيلي على وقع مفاجأة لم يتخيلها أحد.
يومها، لم تكن عملية “طوفان الأقصى” مجرّد هجوم عسكري مباغت؛ بل زلزال سياسي وأمني هزّ منظومة الردع الإسرائيلية من أساسها، وأعاد تعريف مفهوم الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي برمّته.
منذ تلك اللحظة، لم تعد “إسرائيل” الدولة التي لا تُقهر، ولم تعد غزة رقعة محاصَرة في ذاكرة الجغرافيا، بل أصبحت بؤرة الوعي المقاوم التي غيّرت قواعد اللعبة وأجبرت العالم على إعادة النظر في كل ما كان يُقدَّم كـ”مسلمات أمنية”.
يوم كُسرت الهيبة
في فجر ذلك اليوم، اخترقت المقاومة الفلسطينية حدود الأسلاك والجدران والمفاهيم، ودفعت بآلاف المقاتلين إلى قلب المستوطنات والمواقع العسكرية الإسرائيلية، لتكشف أن ما بُني على الخوف والوهم يمكن أن ينهار في ساعات.
لم يكن الهدف مجرّد عدد القتلى أو الأسرى، بل ضرب الصورة النفسية التي طالما تغنّت بها المؤسسة الإسرائيلية أمام شعبها والعالم: صورة الجيش الذي لا يُهزم والاستخبارات التي لا تُفاجأ.
ومنذ ذلك اليوم، لم تستفق “إسرائيل” من الصدمة. فكل قصف على غزة، وكل مجزرة بحق المدنيين، لم يكن سوى محاولة للانتقام من الهزيمة المعنوية التي لحقت بها في السابع من أكتوبر.
مقترح ترامب: سلام فوق الركام؟
بعد عامين من الدم والحصار والخذلان الدولي، يُعاد اليوم طرح مقترح أمريكي يقوده دونالد ترامب لإنهاء الحرب.
خطة مؤلفة من نحو عشرين بندًا، تتحدث عن وقف إطلاق نار، وتبادل للأسرى، وانسحاب جزئي، وإدارة مؤقتة لغزة تحت إشراف دولي، إلى جانب شروط غامضة لتفكيك القدرات العسكرية للمقاومة.
لكن وراء اللغة الدبلوماسية، تكمن حقيقة سياسية مُرّة: واشنطن تحاول أن تُعيد صياغة نتائج الحرب بما يخدم ميزان القوى الإسرائيلي، لا بما يضمن العدالة للفلسطينيين.
فوقف النار المشروط لا يعني سلامًا، وتبادل الأسرى لا يمحو جريمة الحصار، والإعمار لا يُعيد الأرواح التي أُزهقت.
المقاومة بين ذاكرة الدم ومعادلات السياسة
في الذكرى الثانية، تُدرك المقاومة أنّ المعركة لم تعد فقط في الميدان، بل أيضًا على طاولة المفاوضات.
هناك حيث تُكتب البنود وتُرسم الخرائط، تحاول قوى كبرى أن تختزل القضية الفلسطينية في معادلة أمنية ضيقة، بينما تصرّ غزة على أن معركتها لم تكن يوماً من أجل هدنة، بل من أجل كرامة وحق ووجود.
لهذا، تبدو المقاومة أكثر حذرًا من الانزلاق في تسويات لا تلامس الجرح الحقيقي:
انسحاب ناقص، إدارة مؤقتة بلا سيادة، ووعود إعمار تُشترى بالصمت.
بين الطوفان والسلام المعلّق
الذكرى اليوم ليست طقسًا من الماضي، بل امتحان للحاضر:
هل يمكن أن تُفضي المفاوضات إلى تهدئة تحفظ الدم الفلسطيني، دون أن تفرّغ المقاومة من معناها؟
وهل يمكن أن يُكتب سلام حقيقي من فوق ركام غزة دون أن يُعاد الاعتراف بحق الفلسطيني في المقاومة والحرية؟
السابع من أكتوبر لم يكن مجرد يومٍ في التاريخ، بل بداية حقبة جديدة في وعي الأمة، وجرس إنذار لكل من ظنّ أن الشعوب تُهزم إلى الأبد.
واليوم، فيما تُدار المفاوضات باسم “السلام”، تذكّر غزة العالم أن العدالة لا تُوقّع، بل تُنتزع — وأن الطوفان، مهما طال، لم يقل كلمته الأخيرة بعد

