السكة – المقالات – عبدالله شقير رئيس التحرير
دخل طوفان الأقصى عامه الثالث في أطول حرب صهيونية على الشعب الفلسطيني ، وكان من آثاره مما كان أن تجلت لنا خيانةٌ وعَمالةٌ مزروعة في كياننا العربي ، لقد برز التخاذل في أخسّ صوره بعد أن تخلى القريب والبعيد عن أهل غزة وهم يموتون قتلا وحرقا وجوعا في سابقة لا عهد للتاريخ الإنساني بها من قبل .
وفي وسط هذه المعمعمة ، ومن بين الغبار الذي يغشى أهل غزة ينكشفَ نقعُهُ عن لحمٍ متناثر وأطفالٍ تفتّـتتْ أجسادُهم وامتزجت دماؤهم بالتراب غدونا نبحث عن بطولة أصبحنا نكذب أنفسنا أنها كانت في أمة العرب يوما ، فبرزت لنا صور من البطولة لم تكن في العرب الذين أداروا ظهرهم لمعاناة الفلسطينيين ، ولكنها كانت في الفلسطينيين أنفسِهم ، نعم ، لقد كانت البطولة والعزة والكرامة فيهم ، ولا زالت فيهم ، وللعرب الذلة والانكسار .
نادية الخياط من رام الله ، أأصفها بالبطلة ؟ وهل تكفي البطولة أن تكون وسما على صدرها ؟ والله إني لأستشعر الخزي وأنا أَسِمُها بالبطلة ، وكأني بها تحار بهذا الوصف ، فهي لم تبحث يوما عن البطولة ، ولم تكن تنتظر حينا يلجأ فيه كاتبٌ أن يسِمَها بالبطلة أو الشجاعة ، إننا نحن من نجترّ البطولة من غيرنا لأننا أصبحنا لا نملك إلا الكلام ، أما نادية فكانت صاحبة قضية ؛ ذاك الاحتلال الذي اغتصب الأرض فكرهت بكل وجدانها هذا الكيان الغاصب ، فوجدت نفسها تسير في دروب المقاومة لتقفَ في وجهه وتبرأَ لنفسها أمام الله أنها ما كانت لترضى بأن يحتل صهيوني أرضها ، فكان أن سلكت درب المقاومة وسارت فيه دون وجل أو خوف .
حالها كحال كل الفتيات في سنها عشقت نادية الأرض ، عشقت الحجر والشجر وحبات الليمون الذي كان يفوح عطرا تستبينه مع إشراقة كل شمس ، عشقت ذاك الطوق الياسميني الذي كانت تنسجه فتطوق عنقَ أمِّها به كل صباح .
ولكن كيف تستقيم حياة الحرة مع كيان محتل رابض على هذا التراب يدنسه ويلوث عطر الليمون فيه ورائحة الياسمين ؟ لقد انخرطت نادية في عمليات عسكرية ضد جنود الاحتلال سقط من خلالها قتلى وجرحى وتمت مطاردتها واعتقالها سنة 1979 .
في سجون الاحتلال وفي غرف التحقيق تجلت تلك الشجاعة التي أدخلت الحيرة في عقلي ووجداني ، إني أشهد كاتب هذه السطور أني ما كنت لأصبر ساعة على ما صبرت عليه الخياط ، والله إن النفس تحار في هذا الجَلَد وهذه العزيمة التي ما لانت عند نادية ولم تكن لتلين ولو عاشت في العذاب سنين .
إن الضغط النفسي والإنهاك الجسدي الذي لاقته الخياط في غرف التحقيق ليعجز القلم توصيفه ،
لقد عانت الضرب والتنكيل ، وكان قد بدأ الضغط عليها للاعتراف عن مجموعتها أن مارسوا معها ما يسمى بالشبح وهو أن يؤتى بها مقيدة اليدين خلف ظهرها ثم تُربَط بماسورة مثبتتة في حائط تحت لهيب الشمس ، وتُربط إحدى قدميها بذات الماسورة ثم يغطى رأسها بكيس أسود يفوح نتانة لا تطيقه النفس ، ثماني ساعات على هذا الحال كل يوم ، كم لبثت نادية من الأيام على هذا الحال ؟ لم يسعفها العد حين اختلط الليل بالنهار وضاع منها حساب الأيام.
كان من اللافت للنظر عند قراءة روايتها (احترقتْ لتضيء) التي سردت فيها تفاصيل الاعتقال ذاك الصبر وتلك العزيمة التي أصابتني بالدهشة ، لقد قاومت كل أشكال التعذيب بقوة وصلابة غير معهودة إذ أقسمت على نفسها ألا تلين ، وحار بها المحققون أن ينتزعوا منها اعترافا يحفظ لهم كرامتهم وهيبتهم أمام امرأة ، لقد مارسوا القسوة والبطش والتهديد والتعذيب ، جلبوا أختها لمركز التحقيق وعذبت على مسمع منها .. لكن نادية لم تلِنْ ، ضربوا أسرى أمامها وسالت دماؤهم .. نادية لم تلِنْ ، هددوا بنسف منزلها .. لم تلِنْ .. هددوا بمنع أخويها من امتحانات الدراسة الثانوية .. لم تلِنْ ولم تعترف .. عانت ظروفا يصعب على النفس البشرية تقبلها أو الصبر عليها .. لم تلِنْ .. هددوا بإيذاء عائلتها .. لم تلِنْ .. مارسوا معها كل أنواع البذاءة من الشتائم القبيحة التي لا عهد لها بها من قبل ثم هددوها بهتك عرضها فقالت دون مساومة : ” إن من قام باغتصاب الأرض لا يضره اغتصاب العرض ” جوابٌ كان من ثمرته أن يئس المحقق الذي لم يجد سبيلا إلا إعادتها لزنزانتها وهي تحمل في قلبها نشوة الانتصار تاركة عدوا محتلا يأكل نفسه كمدا وحقدا ..
إن الصبر الذي كانت عليه نادية في غرف التحقيق يحمل في طياته دروسا في القوة والشجاعة تطاول الجبال الشاهقات ، وتقصر عنه همم الرجال البواسل ، عزيمة جعلت هذا العدو ينسب إليها تهمة تلك العمليات دون اعتراف منها ، وحوكمت بالسجن المؤبد وعشرين عاما ، لم يُثْنِ هذا الحكم من عزيمتها وردت على مَن أبلغها الحكم بأن قالت : “هل عندك ما تضيفه” وأكملت حديثها مع باقي الأسيرات كأنها لم تسمع حكمها بالسجن المؤبد .
لن يفوتني أن أذكر أن المحققين قد عرضوا على نادية الخياط أن يُطلق سراحها بعد هذا التعذيب الذي طال فأنهك جسمها الذي غدا نحيلا ، فعرضوا عليها بيتا فارها (فيلا) وسيارة فارهة وعيشا رغيدا لها ولأهلها ، فرفضت العيش الرغيد الذي كان ثمنه خيانة الوطن والإبلاغ عن اسماء منتسبي التنظيم والاستدلال على مكان الأسلحة .
إن شابة في مقتبل العمر ينتظرها مستقبلا في قادم أيامها كان انهيارها في مثل هذه الظروف القاسية التي يشيب الرأس من وصفها أمرا محتملا ، ولكنها آثرت الانتصار لقضيتها ، ففلسطين عقيدة راسخة ومتجذرة في عقلها ووجدانها ، ومتى كان الحر ينسلخ من عقيدته ! لقد كانت نادية الخياط أنثى فلسطينية حرة محور قضيتها أن الأرض لا تُسلب فلم يستطع بطش المحققين أن يسلبوا منها تلك العقيدة الراسخة في ضميرها ؛ عقيدة اسمها فلسطين المحتلة .
خرجت نادية الخياط من السجن بتاريخ 24 / 11 / 1983 في عملية تبادل أسرى وأُبعِدت إلى الأردن وبقيت هناك حتى قيام السلطة الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو عام 1993 وعادت إلى فلسطين مرة أخرى ولا زالت هناك .

