الأحد, أغسطس 2, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةعائلة دغمش..من ميليشيا عائلية لشبكة مصالح سياسية

عائلة دغمش..من ميليشيا عائلية لشبكة مصالح سياسية

السكة – المحطة الفلسطينية – خاص وحصري

في صباح الثاني عشر من أكتوبر 2025، دوّى صوت الرصاص في حيّ الصبرة جنوب مدينة غزة، حيث كان الصحفي الفلسطيني صالح الجعفراوي يوثّق بالكاميرا آثار اشتباكات مسلحة بين قوات الأمن ومجموعات مسلحة محلية. دقائق معدودة كانت كافية لتحويل الصحفي إلى ضحية جديدة في سجلّ العنف الداخلي في القطاع. سبع رصاصات أطلقت عليه من مسافة قريبة، بحسب مصادر طبية محلية، لتعيد إلى الواجهة اسمًا ظلّ حاضراً في ذاكرة الغزيّين منذ أكثر من عقدين: عائلة دغمش.

ميليشيا عائلية تتكاثر من رحم الفوضى

تُعدّ عائلة دغمش من أبرز العائلات في حي الصبرة بمدينة غزة، حيث تمتلك نفوذًا اجتماعياً متجذراً، لكنّ اسمها تحوّل منذ منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة إلى مرادف للعنف المسلح والانفلات الأمني.

فمنذ العام 2006، بدأت مجموعات مسلحة تنتمي للعائلة بالظهور العلني في شوارع القطاع، تحت مسميات مختلفة مثل “لجان المقاومة الشعبية”، ثم لاحقًا “جيش الإسلام”.

يقول الباحث الفلسطيني المتخصص في الشأن الأمني رامي خليل في حديث لموقع درج إنّ “البيئة التي نشأت فيها جماعات دغمش كانت خليطًا من الفوضى الأمنية التي خلّفها الصراع بين حركتي فتح وحماس، وشعور بعض العائلات الكبيرة بأنّها تستطيع فرض توازن خاص بها بالسلاح”.

ويضيف أن “العائلة استثمرت علاقاتها القديمة داخل الأجهزة الأمنية الفلسطينية قبل عام 2007، حيث كان كثير من أفرادها ضباطًا أو عناصر في الأجهزة التابعة لفتح”.

التحوّل بعد 2006: من السلاح العائلي إلى الارتباط السياسي

مع فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية في يناير 2006 وتولّيها السلطة، شعرت مجموعات عديدة من أنصار حركة فتح والعائلات المتحالفة معها بأن نفوذها مهدد.

في تلك الفترة، بحسب تقارير منشورة في العربية نت والجزيرة (2007)، شهد القطاع سلسلة هجمات واشتباكات متكررة بين مسلحين من عائلتي دغمش وشحبير من جهة، وعناصر من حماس من جهة أخرى.

من أبرز تلك الأحداث، اقتحام مقر شركة الكهرباء في شارع الثلاثيني بمدينة غزة في ديسمبر 2006، حيث أُحرقت سيارات تابعة للشركة وتم الاعتداء على موظفين أثناء تشييع جنازة عناصر من دغمش قُتلوا في اشتباكات سابقة.

بعد أسابيع فقط، في يناير 2007، قُتل ثلاثة من عائلة الديري – بينهم الشيخ أبو رائد الديري، أحد وجهاء الإصلاح في غزة – أثناء توجههم لتهنئة وزير الخارجية آنذاك محمود الزهار بعودته من الحج.

حركة حماس أصدرت بياناً حينها وصفت فيه الفاعلين بأنهم “فئة باغية من آل دغمش”، وهددت بـ“القصاص العادل” ما لم تُرفع عنهم الحماية العائلية.

جيش الإسلام: الذراع المسلح الأشدّ غموضًا

في مارس 2007، أطلق مسلحون من مجموعة تُعرف باسم “جيش الإسلام” – يقودها ممتاز دغمش – شرارة واحدة من أكثر الملفات غموضًا في تاريخ غزة الأمني: اختطاف الصحفي البريطاني آلان جونستون، مراسل هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).

استمر احتجاز جونستون لمدة 114 يومًا، قبل أن تتدخل حركة حماس عسكريًا وتُجبر الخاطفين على إطلاق سراحه في يوليو من العام نفسه.

بحسب تقرير نشرته رويترز آنذاك، فإن “جيش الإسلام تنظيم سلفي مسلح يضم مقاتلين من عائلة دغمش، ظهر كقوة موازية تسعى للحفاظ على نفوذها في مواجهة سلطة حماس”.

وأكد وزير الخارجية السابق محمود الزهار في تصريحات موثقة عام 2007 أن “هؤلاء المسلحين على صلة مباشرة بمحمد دحلان، وأنهم أدوات لإبقاء الفوضى في غزة”.

ومع أن دحلان لم يعلّق رسميًا على تلك الاتهامات، إلا أن ظهور بعض أفراد العائلة ضمن ما سُمّي آنذاك بـ“القوة التنفيذية الخاصة” المرتبطة بفتح، عزّز الانطباع بأن العلاقة بين الطرفين تتجاوز المستوى الاجتماعي.

من جيش الإسلام إلى جماعات ظلّ جديدة

بعد أحداث الانقسام الفلسطيني وسيطرة حماس على غزة منتصف 2007، بدأت قبضة الأجهزة الأمنية الحمساوية تضيق على جماعات دغمش، لكنّها لم تختفِ.

تحوّل بعضها إلى خلايا ظلّ صغيرة تعمل بأسماء متعددة، مثل “كتائب التوحيد والجهاد”، أو “سرايا الجلالي”، فيما ظلّ قادتها الأساسيون متوارين بين حي الصبرة وتلّ الهوا.

يقول ضابط أمني سابق في غزة – طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية – لموقعنا إن “أفراداً من العائلة واصلوا العمل في تجارة السلاح، وأداروا نقاط تفتيش غير رسمية لفرض الإتاوات على التجار، وكانت لهم صلات بمهربين عبر الأنفاق قبل تدميرها”.

ويضيف أن “العائلة بقيت قادرة على إعادة التموضع بفضل شبكة من المصالح الاقتصادية والروابط العشائرية التي تمنحها حماية اجتماعية من الملاحقة التامة”.

صالح الجعفراوي.. رصاصات تُعيد الماضي

في أكتوبر 2025، أعادت حادثة اغتيال الصحفي صالح الجعفراوي تسليط الضوء على تلك الجماعات.

مصادر أمنية في غزة تحدثت عن اشتباك بين قوة أمنية ومسلحين من آل دغمش في منطقة تل الهوا، خلال حملة أمنية استهدفت ما وُصف بـ“خلايا خارجة عن القانون”.

وأثناء تغطية الجعفراوي للاشتباكات، أصيب بعدة رصاصات قاتلة.

تقرير أولي بثّته الجزيرة (12 أكتوبر 2025) أشار إلى أن “الصحفي الجعفراوي استُشهد أثناء تغطيته مواجهات مع مجموعات مسلحة محلية”، فيما ذكرت وكالة معا أن “الجهات الأمنية تحقق في الاشتباه بعناصر من جماعة دغمش في الواقعة”.

أما رويترز فذكرت أن “التحقيقات الأولية تشير إلى أن الجعفراوي لم يكن مستهدفًا شخصيًا، لكن الرصاص أُطلق عليه من جهة مسلحين كانوا يتبادلون النار مع قوات الأمن”.

غير أن روايات ميدانية أخرى – نقلها ناشطون وصحفيون فلسطينيون – تتحدث عن استهداف مباشر، مؤكدين أن الجعفراوي كان يصوّر من مسافة آمنة حين أُطلق عليه النار.

في المقابل، ترفض عائلة دغمش هذه الاتهامات، وتقول في بيان نُشر على إحدى الصفحات المحلية إن “العائلة بريئة من دم الجعفراوي، وإنّها تدعم التحقيق حتى النهاية”.

التداخل السياسي: بين فتح ودحلان وحماس

الاتهامات القديمة التي ربطت جماعة دغمش بـمحمد دحلان تعود اليوم إلى التداول مجددًا.

مصادر من حركة حماس تقول إن بعض أفراد العائلة تلقوا دعمًا ماليًا وتسليحيًا من تيار دحلان في السنوات الأخيرة “لزعزعة الأمن الداخلي وإضعاف قبضة المقاومة”.

لكن مصادر من تيار دحلان نفت أي علاقة مباشرة، معتبرة أن هذه “حملة سياسية من حماس لتشويه الخصوم”.

يقول الباحث السياسي عدنان أبو عامر في تحليل له إن “شبكات المصالح التي تشكلت بعد 2007 بين تيارات أمنية سابقة وبعض العائلات المسلحة في غزة لم تُحلّ بالكامل، وهي تُستخدم أحيانًا كورقة ضغط داخلية أو خارجية بحسب الحاجة”.

ويضيف: “عائلة دغمش تمثل نموذجًا للعلاقات الملتبسة بين المال والسلاح والسياسة في غزة، حيث تتداخل المصالح الشخصية بالعشائرية والأمنية في غياب سلطة مركزية حقيقية”.

سجلّ طويل من الدماء

منذ عام 2006 وحتى اليوم، يُسجَّل على جماعات مرتبطة بعائلة دغمش سلسلة من الأحداث الدامية:

  • ديسمبر 2006: اقتحام مقر شركة الكهرباء وسط غزة وحرق سياراتها.
  • يناير 2007: قتل ثلاثة من عائلة الديري أثناء زيارتهم منزل الزهار.
  • مارس – يوليو 2007: اختطاف الصحفي البريطاني آلان جونستون واحتجازه أربعة أشهر.
  • 2007–2010: اشتباكات متقطعة مع حماس في حي الصبرة وتل الهوا.
  • 2025: مقتل الصحفي صالح الجعفراوي أثناء تغطيته اشتباكات في نفس الحيّ الذي شهد ولادة الجماعة قبل عقدين.

كل تلك الأحداث، على اختلاف طبيعتها، تؤكد نمطاً واحداً: وجود قوة موازية تعمل خارج القانون، تتبدّل أسماؤها لكن جوهرها واحد — خليط من الولاء العائلي والمصلحة السياسية.

الصحافة بين فوهة البندقية وسلطة العائلة

اغتيال الجعفراوي لم يكن حادثة معزولة. فخلال العامين الماضيين، وثّقت منظمات حقوقية منها مراسلون بلا حدود (RSF) ولجنة حماية الصحفيين (CPJ) عشرات الانتهاكات ضد الصحفيين في غزة والضفة، سواء على يد الاحتلال الإسرائيلي أو أطراف فلسطينية داخلية.

تقرير RSF الأخير لعام 2025 أشار إلى أن “الصحفيين في غزة يواجهون تهديدات مزدوجة من الاحتلال ومن سلطات الأمر الواقع والجماعات المسلحة المحلية”.

الكاتب والإعلامي الفلسطيني علاء الريماوي علّق على مقتل الجعفراوي قائلاً عبر صفحته على “فيسبوك”:

“لم يُقتل صالح في معركة مع الاحتلال، بل في معركة مع فوضى السلاح التي تأكل أبناءها.”

تصريحه أثار موجة جدل وغضب، لكنه لخص بدقة شعور الصحفيين في القطاع، الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة الاحتلال وسندان الميليشيات.

انعكاسات على أمن غزة ومستقبل الصحافة

حادثة الجعفراوي كشفت هشاشة البنية الأمنية في غزة بعد 18 عاماً من سيطرة حماس على القطاع.

فعلى الرغم من الحملات الأمنية المتكررة، لا تزال العشائر المسلحة تمتلك نفوذًا موازياً، وتستطيع في أي لحظة تحويل خلاف محلي إلى اشتباك دموي واسع.

ويرى مراقبون أن استمرار تغاضي القوى السياسية عن ظاهرة “الميليشيات العائلية” يشكّل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي ولحماية العمل الصحفي.

الخبير الأمني إيهاب الغصين قال في تعليق لقناة القدس اليوم إن “مواجهة هذه الظواهر تتطلب فصل السلاح عن السياسة والعائلة، وتطبيق العدالة دون حسابات فصائلية”، مشيرًا إلى أن “تراكم الصمت على هذه المجموعات منذ 2006 جعلها تشعر بأنها فوق المحاسبة”.

أما الصحفية رنا العالول، فتقول إن “دم الجعفراوي يجب أن يكون جرس إنذار لتأسيس ميثاق إعلامي وأمني يحمي الصحفيين من أي استهداف داخلي، فحرية الصحافة ليست شعارًا عندما يتحول الصحفي إلى هدف”.

خاتمة: إرث الفوضى المستمر

منذ اقتحام شركة الكهرباء عام 2006، إلى خطف الصحفي جونستون في 2007، وصولًا إلى مقتل الجعفراوي في 2025، تبقى عائلة دغمش مثالاً صارخًا على كيف يمكن أن تتحول القوة العائلية إلى سلطة موازية للدولة.

ورغم محاولات احتوائها، فإن استمرار وجود جماعات مسلحة مرتبطة بها يعكس خللاً أعمق في بنية الحكم في غزة، حيث يختلط الولاء بالسلاح، وتتحول السياسة إلى ميراث عائلي.

ولعلّ أكثر ما يثير القلق، أن الرصاصة التي أودت بحياة الجعفراوي لم تكن موجهة إلى شخصه بقدر ما كانت موجهة إلى حقّ الصحافة في البقاء حرة في أرضٍ يضيق فيها الأفق بين الحقيقة والرصاص.

المراجع (مختارة من تقارير منشورة)

  • الجزيرة، 12 أكتوبر 2025: تقرير عن استشهاد الصحفي صالح الجعفراوي.
  • رويترز، يوليو 2007: تقرير حول إطلاق سراح الصحفي البريطاني آلان جونستون.
  • العربية نت، ديسمبر 2006: تغطية لاشتباكات عائلتي دغمش وشحبير في غزة.
  • وكالة معاً الإخبارية، 2025: بيان الداخلية في غزة حول التحقيق بمقتل الجعفراوي.
  • مراسلون بلا حدود (RSF)، تقرير “حرية الصحافة في فلسطين 2025
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا