السكة – المحطة الفلسطينية – كتب تأبط شراً
في مشهد يكاد يكون مكتوباً خصيصاً لكاتب كوميديا سوداء، ظهر القيادي محمد دحلان فجأة على مسرح الأحداث، حاملاً بشرى وقف العدوان على غزة، وكأن زرّ إيقاف الحرب كان موجوداً في جيبه طوال الوقت لكنه كان ينتظر اللحظة المناسبة للضغط عليه.
بعد شهور طويلة من القصف والدمار والدموع، وبعد أن حفظ سكان غزة أصوات الطائرات أكثر مما حفظوا أصوات الأغاني، خرج دحلان ليخبر الجميع أن «العدوان سيتوقف اعتباراً من الغد»، وأن هناك وثيقة من خمسة عشر بنداً أصبحت مفتاح الخلاص.
غزة، التي عاشت أياماً ثقيلة بين الركام والخوف والبحث عن الماء والدواء، ربما كان ينقصها فقط بيان عاجل على فيسبوك ليكتمل المشهد. فالحرب، كما يبدو في عالم السياسة، ليست دائماً بحاجة إلى طائرات وصواريخ، أحياناً يكفيها منشور مرتب وصورة حساب رسمية.
يقول دحلان إن المبعوث الأميركي جاريد كوشنر أبلغه بالتفاهمات، وإن الاتصالات مستمرة لضمان التنفيذ. وهنا يحق للمواطن الغزّي أن يسأل بسخرية مرّة: هل كانت المشكلة طوال الوقت في غياب الاتصالات؟ أم في غياب من يرد على الهاتف؟
المفارقة أن كثيرين يتساءلون: أين كان كل هذا الحضور السياسي عندما كانت غزة تنزف؟ أين كانت البيانات عندما كانت المستشفيات تختنق، والبيوت تتحول إلى ذكريات، والعائلات تدفن أحلامها تحت الأنقاض؟
لكن السياسة لها قوانينها الخاصة؛ ففي زمن الحروب، قد يغيب البعض عن المشهد حتى تصبح الكاميرات جاهزة، ثم يظهرون فجأة كأنهم كانوا يديرون غرفة العمليات من خلف الستار.
اليوم يطلب دحلان من الفصائل الالتزام بالاتفاق، ووقف كل ما قد يمنح إسرائيل ذريعة لإفشاله. وهي دعوة تبدو منطقية على الورق، لكنها تفتح باباً لسؤال أكبر: هل المطلوب من الفلسطينيين فقط ضبط الميدان، بينما يبقى الطرف الأقوى هو من يقرر متى يبدأ القصف ومتى يتوقف؟
غزة لا تحتاج فقط إلى اتفاقات تُعلن، بل إلى واقع جديد يُثبت أن الدم الفلسطيني ليس مجرد مقدمة لبيانات سياسية ولا خلفية لعودة شخصيات تختفي حين تشتد العاصفة وتظهر عندما تبدأ مرحلة توزيع الأدوار.
في النهاية، يبقى سكان غزة أصحاب الحق في الاحتفال بأي توقف للقتل، حتى لو جاءهم الخبر من أكثر الأماكن إثارة للدهشة. لكنهم أيضاً يملكون ذاكرة طويلة، والذاكرة في غزة لا تعمل بزر «تحديث الصفحة».
فهي تتذكر من كان حاضراً حين كان الموت في الشوارع، ومن عاد عندما بدأت رائحة السياسة تغطي رائحة البارود.

