السكة – محطة الجاليات العربية – ترجمة وتحرير
أسفر إطلاق نار جماعي وقع فجر الأحد في حانة مكتظة بالروّاد على جزيرة سانت هيلينا الهادئة – التي تُعد أكبر تجمع لمجتمع الغولا في ساحل ساوث كارولاينا – عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة ما لا يقل عن عشرين آخرين، بحسب ما أعلنت السلطات المحلية.
وقال مكتب شريف مقاطعة بوفورت إنّ عدداً كبيراً من روّاد المكان كانوا داخل حانة “ويليز بار آند غريل” (Willie’s Bar and Grill) عندما وصلت دوريات الشرطة لتجد العديد من المصابين بطلقات نارية. وأشار البيان إلى أن الذعر عمّ المكان، وأن “كثيرين هرعوا إلى المتاجر والمحال المجاورة طلباً للنجاة من وابل الرصاص”.
وأضاف البيان المنشور عبر منصة “إكس” (تويتر سابقاً):
“إنه حادث مأساوي وصعب على الجميع. نطلب من المجتمع التحلي بالصبر بينما نواصل التحقيق. أفكارنا ودعاؤنا مع جميع الضحايا وأسرهم”.
ووفقاً للمعلومات الأولية، نُقل عدد من الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، حيث يُعالج أربعة منهم في حالة حرجة حتى مساء الأحد، فيما لم تُكشف بعد هويات القتلى أو الجرحى.
“صرخات ورعب وارتباك”
مالك الحانة، ويلي تورال (Willie Turral)، قال لوكالة أسوشيتد برس إنه كان داخل المكان عندما سمع أصوات إطلاق النار “على دفعات متتالية” خارج المبنى، مضيفاً أن الأجواء تحوّلت إلى “صرخات وهلع وخوف”.
“كان المشهد مرعباً من الداخل… لم يكن أحد يعرف بالضبط ما الذي يحدث في الخارج، والناس تحاول الوصول إلى الأمان”، قال تورال.
وأوضح تورال أن الحانة كانت تستضيف فعالية لخريجي مدرسة “باتري كريك الثانوية” (Battery Creek High School) في مدينة بوفورت القريبة، على بُعد نحو 16 كيلومتراً شمال غرب الجزيرة. وأضاف أن الأمسية كانت تسير بشكل طبيعي واحتفالي قبل أن تتعالى أصوات الطلقات وتتحول المناسبة إلى فوضى عارمة.
تضامن رسمي وصمت أمني
من جانبها، أعربت عضوة الكونغرس الأميركي نانسي ميس (Nancy Mace) عن حزنها الشديد في منشور عبر منصة “إكس”، قائلة:
“أشعر بالحزن الشديد بعد سماعي نبأ هذا الهجوم المروّع. قلوبنا مع عائلات الضحايا”.
ولم تذكر السلطات حتى الآن أي تفاصيل حول هوية المهاجم أو دوافعه، فيما تستمر التحقيقات بمشاركة وحدات من الشرطة المحلية والفيدرالية.
مجتمع الغولا.. تاريخ وثقافة مهدَّدة
تُعد جزيرة سانت هيلينا موطناً لما يُقدّر بنحو خمسة آلاف من أبناء مجتمع الغولا، الذين تعود أصولهم إلى العبيد الأفارقة الذين جُلبوا إلى المنطقة للعمل في مزارع الأرز قبل الحرب الأهلية الأميركية.
ويُعرف مجتمع الغولا، أو الـ“غيتشي” كما يُطلق عليهم في بعض المناطق، بثقافتهم الفريدة ولهجتهم المميزة وحفاظهم على عادات أفريقية تقليدية مثل صيد الأسماك بالشباك اليدوية وحياكة السلال.
وتُوصف جزيرة سانت هيلينا عادة بأنها أحد آخر المعاقل الثقافية للغولا، ما يجعل الحادثة الأخيرة صدمةً مزدوجة لسكانها — ليس فقط بسبب عدد الضحايا، بل لأنها طالت رمزاً اجتماعياً محلياً يعتبره الأهالي “ركيزة في حياتهم اليومية”.
حانة الغولا.. أكثر من مطعم
يُروَّج لـ“ويليز بار آند غريل” على موقعه الإلكتروني بأنه “ليس مجرد مطعم، بل ركيزة مجتمعية تسعى لرد الجميل للمجتمع، خاصةً للشباب”، إذ يشارك في فعاليات مدرسية ومبادرات تطوعية لدعم الطلاب.
لكن مشهد الدماء الذي غمر المكان فجر الأحد، جعل كثيرين من سكان الجزيرة يشعرون بأن السلام الاجتماعي الذي طالما ميّز مجتمعهم أصبح مهدداً.
“لم نعتد على العنف بهذا الشكل هنا”، قال أحد سكان الجزيرة لقناة محلية. “نحن مجتمع صغير، نعرف بعضنا جميعاً، وما حدث جعلنا نشعر بأننا فقدنا جزءاً من أماننا”.
ما وراء المأساة: جدل السلاح في أميركا
الحادث يأتي ضمن سلسلة من عمليات إطلاق النار الجماعية المتكررة التي تشهدها الولايات المتحدة، وسط انقسام سياسي حاد حول قوانين حيازة السلاح.
ووفق بيانات “أرشيف العنف المسلح” الأميركي (Gun Violence Archive)، فقد تجاوز عدد حوادث إطلاق النار الجماعي في البلاد 500 حادث منذ بداية عام 2025.
ويرى مراقبون أن البيئة الريفية الهادئة في جزر ساوث كارولاينا كانت بمنأى نسبيًا عن موجات العنف التي تضرب المدن الكبرى، إلا أن هذه الحادثة قد تُعيد النقاش حول انتشار السلاح حتى في المجتمعات الصغيرة.
الختام: جزيرة تبحث عن طمأنينتها
حتى مساء الأحد، ظلت الشرطة تطوق المنطقة، فيما بدأت طواقم التحقيق بجمع الأدلة وتحليل مقاطع الفيديو الملتقطة من كاميرات المراقبة المحيطة بالحانة.
وفي انتظار النتائج، يعيش سكان سانت هيلينا حالة من الحزن والترقب، بينما يتداول كثيرون من أبناء الغولا على وسائل التواصل رسائل تضامن ودعوات لإعادة النظر في أمن مجتمعاتهم المحلية التي تملك إرثاً إنسانياً فريداً لكنه هشّ أمام عنف السلاح الأميركي.
“لقد فقدنا أرواحاً بريئة، لكننا لن نفقد هويتنا”، كتب أحد الناشطين الثقافيين من أبناء الغولا. “نحن من صمدنا قروناً، وسننهض من جديد”.
المصدر: وكالة أسوشيتد برس (Associated Press) – تقرير لويس ليفين وكاثي ماكورماك، 12 أكتوبر 2025.

