السكة – محطة المقالات – كتب تأبط شراً
في زمنٍ كانت فيه “فتح” تعني البندقية، صار اسمها اليوم مرادفًا للـ “بطاقة الـVIP”.
الحركة التي أطلقت الرصاصة الأولى، تطلق الآن تصريحاتها الأخيرة بلغةٍ ناعمة، وكأنها تتحدث عن جدول دوام موظفي وزارة، لا عن وطنٍ يعيش تحت الاحتلال.
من رحم الثورة وُلدت فتح، لكنها اليوم تشبه موظفًا متقاعدًا يعيش على ذكريات النضال ومعاش نهاية الخدمة.
لا شيء يحرّكها إلا بياناتها المكررة: “نستنكر… نتابع… نأسف…” وكأنها إدارة شكاوى وطنية لا حركة تحرر.
الزلزال الأخير جاء من جنين، المدينة التي ما زالت تفهم معنى الكرامة أكثر من كثير من القادة الذين يتحدثون باسمها.
هناك أعلنت الدكتورة سناء زكارنة استقالتها من الحركة، بعد أن اكتشفت أن “الثورة الأم” تحوّلت إلى زوجة شرعية للسلطة، لا تعرف من الوطنية إلا التقارير الرسمية.
قالتها بوضوح: “فتح تخلّت عن أسراها.”
وجاء الرد الرسمي… صمت مطبق. فربما في قاموس القيادة الجديدة، الصمت هو أرفع أشكال البطولة.
لكن القصة ليست عن استقالة واحدة، بل عن حركةٍ باتت تخاف من أبطالها.
فالاحتلال سجن مروان البرغوثي مدى الحياة، أما القيادة الفتحاوية فقد قررت أن تسجنه في الذاكرة.
وحين تُطرح مسألة إدراجه في صفقة التبادل، ترتفع الهمسات في رام الله: “إطلاقه يربكنا!”
وكأن الرجل قنبلة سياسية ستنفجر في وجه من اعتادوا النوم على الكراسي الوثيرة.
منذ متى صار المناضل خطرًا، والسكوت بطولة؟
منذ أن تحوّلت “فتح” من حركة تحرر إلى جهاز ضبط النفس الوطني، ومن البندقية إلى جدول اجتماعات مع المنسق الأمني.
في المخيمات، يقول الشبان ساخرين: “فتح اليوم لا تفتح إلا بريدها الإلكتروني.”
ويضيف آخر من نابلس: “الذين أسّسوا الكفاح ينامون في الزنازين، والذين لم يحملوا إلا الأقلام ينامون في الفنادق.”
مقارنةٌ مؤلمة… لكنها دقيقة.
القيادة الحالية تتصرّف كأنها شركة سياسية عائلية تخشى المنافسة أكثر مما تخشى الاحتلال.
أما “الشرعية”، فهي محفوظة في الأدراج، تُخرج عند اللزوم، وتُستخدم عند الحاجة لتبرير الجمود.
تحت شعار “الثبات على الموقف”، تمارس الحركة الثبات على الكرسي، وثبات الصمت، وثبات الانتظار.
المشكلة ليست في البرغوثي ولا في زكارنة، بل في عقلٍ تنظيمي يخاف من كل ما يتحرّك، ويكره المفاجآت، ويعامل الجماهير كملف يحتاج إلى ضبط لا إلى إلهام.
“فتح” التي علّمت الناس معنى التضحية، باتت تدرّس فن البقاء بلا موقف.
ولعل ما بدأ في جنين ليس إلا جرس إنذار.
فحين يبدأ أبناء الحركة بالتساؤل: “هل ما زلنا حركة تحرر أم إدارة موارد بشرية؟” فذلك يعني أن النار بدأت تقترب من الجذع.
الحركة التي تخاف من رموزها ستخسرهم… ثم تخسر نفسها.
وربما يأتي يوم نقرأ فيه بيانًا رسميًا يقول:
“نحن في حركة فتح نحيّي ذكرى الثورة، ونؤكد استمرارنا في متابعتها إداريًا حتى إشعار آخر.

