السكة – المحطة الفلسطينية
في خطوة وُصفت بأنها الأكثر جرأة في دبلوماسية إدارة ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، كشفت مصادر أميركية وإقليمية لموقع Axios أن مبعوثَي ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، عقدا اجتماعًا مباشرًا وسريًا مع قيادات من حركة حماس في منتجع شرم الشيخ، كان الشرارة الأخيرة التي أطلقت اتفاق غزة إلى الحياة.
اللقاء الذي جرى ليل الأربعاء الماضي، بحضور رؤساء استخبارات مصر وتركيا ومسؤولين قطريين، مثّل تحولًا استراتيجيًا في طريقة تعاطي واشنطن مع الصراع، حيث تجاوزت الإدارة الأميركية قنوات الاتصال التقليدية مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية، واختارت الدخول إلى قلب الميدان عبر التحدث مباشرة إلى حماس.
❖ من السر إلى الصفقة: لحظة الانعطاف
حتى مساء الأربعاء، كانت المفاوضات في شرم الشيخ تراوح مكانها. حماس تخشى أن تستأنف إسرائيل الحرب فور الإفراج عن الرهائن، وواشنطن تخشى أن تفشل خطتها لوقف النار أمام هذا الشك المتبادل.
حينها تدخّل القطريون قائلين لمبعوثي ترامب:
“إذا التقيتم بهم وصافحتموهم، فسيتم التوصل إلى اتفاق.”
وبحسب أحد المصادر، منح ترامب شخصيًا الضوء الأخضر لكوشنر وويتكوف قبل مغادرتهما واشنطن، قائلاً لهما في المكتب البيضاوي: “إذا احتاج الأمر لقاءً مباشرًا، افعلاه.”
وهكذا، بعد ساعتين من الجمود، دخلا فيلا مجاورة في المنتجع، حيث جلس في انتظارهم خليل الحية وثلاثة من قادة حماس الكبار إلى جانب وسطاء من مصر وقطر وتركيا.
❖ كوشنر لحماس: “الرهائن عبء لا ورقة”
في الاجتماع الذي دام نحو 45 دقيقة، كان خطاب كوشنر صريحًا وقاسيًا في آن.
قال:
“الرهائن باتوا عبئًا أكثر من كونهم ورقة تفاوض. لقد حان الوقت لإعادة الناس إلى بيوتهم على الجانبين.”
وردّ عليه الحية متسائلًا إن كان يحمل رسالة من الرئيس ترامب.
فأجاب ويتكوف باسم الرئيس:
“رسالة ترامب أنكم ستُعاملون بعدالة، وأنه يقف خلف النقاط العشرين الكاملة في خطة السلام، وسيتأكد من تنفيذها بالكامل.”
بعد دقائق من مغادرة الوفد الأميركي، أعلن رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد للوسطاء:
“بناءً على الاجتماع الذي عقدناه للتو، لدينا اتفاق.”
❖ تجاوز إسرائيل: الدبلوماسية من وراء ظهر الحليف
تكشف هذه الرواية عن واقع غير مسبوق: إدارة أميركية تتحدث مباشرة مع حركة مصنفة على قوائم الإرهاب الأميركية، من دون علم أو تنسيق مسبق مع الحكومة الإسرائيلية.
وهي ليست المرة الأولى.
ففي مارس الماضي، عقد المبعوث الأميركي لشؤون الرهائن آدم بوهلر لقاءات مماثلة في الدوحة مع قادة حماس لإطلاق رهائن أميركيين، لكن العملية انهارت بعد اعتراض إسرائيلي حاد.
إلا أن لقاء شرم الشيخ مختلف؛ فهو تم برعاية ترامب نفسه وبغطاء سياسي واضح، في إطار خطة شاملة لإعادة ترتيب غزة بعد الحرب، تتضمن نزع سلاح حماس تدريجيًا، وإنشاء إدارة محلية بدعم إقليمي ودولي.
❖ دلالات أعمق: إعادة هندسة معادلة القوة
اللقاء لا يمكن قراءته كحادث معزول. بل هو إشارة إلى تحوّل في هندسة واشنطن للملف الفلسطيني:
- تجاوز السلطة الفلسطينية التي لم تعد تُعتبر فاعلًا مؤثرًا على الأرض.
- تجاوز إسرائيل التي فقدت مصداقيتها كضامن لوقف النار.
- وإشراك وسطاء من قطر وتركيا ومصر في مشهد ثلاثي جديد يتعامل مع غزة بوصفها ملفًا أمنيًا-سياسيًا مستقلًا أكثر من كونها جزءًا من “القضية الفلسطينية الكلاسيكية”.
من زاوية أخرى، قد يُقرأ اللقاء كـ رسالة مزدوجة إلى نتنياهو:
أن واشنطن مستعدة لإنجاز صفقة ميدانية حتى لو لم تمرّ عبر مكتبه، وأن إدارة ترامب تنوي فرض تسوية الأمر الواقع في غزة بالقوة الدبلوماسية والاقتصادية.
❖ “صفقة غزة”… اختبار ما بعد المصافحة
بالنسبة لحماس، اللقاء مثّل اعترافًا أميركيًا ضمنيًا بكونها شريكًا لا يمكن تجاوزه، حتى وإن لم يُعلن ذلك رسميًا.
أما لترامب، فهو تجسيد لمبدأ “السلام عبر الصفقات المباشرة” الذي يعيد إحياء نمط تفاوضي يتجاوز الأطر الأممية.
ورغم المخاطر السياسية التي يواجهها ترامب داخليًا بسبب هذا التواصل، إلا أن مقربين منه يرون أن هذه الخطوة تُثبت جديته وقدرته على تحقيق ما عجزت عنه الإدارات السابقة.
أحد المصادر قال لـ Axios: “عندما تعهد مبعوثو ترامب لحماس بأن الصفقة ستُنفذ بالكامل، صدقوهم. لقد شعروا أن ترامب رجل صفقة لا رجل وعود.”
خاتمة
في نهاية المطاف، لا يكشف لقاء شرم الشيخ عن صفقة وحسب، بل عن عودة أسلوب ترامب السياسي إلى قلب الشرق الأوسط:
أسلوب يقوم على الصدمة، والمباشرة، وكسر المحظورات الدبلوماسية.
وإذا صمد الاتفاق، فقد يكون هذا اللقاء السري هو اللحظة التي بدأت فيها مرحلة “اليوم التالي لغزة” فعليًا – من دون حروب، ولكن أيضًا من دون يقين حول من يحكم السلام.

