السكة – محطة المقالات
حين يُطلب من المقهور أن يبتسم لجلاده… لا يُسمّى ذلك سلامًا، بل خضوعًا بأناقةٍ سياسية.
منذ متى صار السلام يُفرَض بالقوة؟ ومنذ متى صار من يُقصف ويُحاصَر ويُدفن تحت الركام مطالبًا بأن يمدّ يده للقاتل؟ هذا الذي يسمّونه “سلامًا” اليوم ليس سوى هدنة خوفٍ تُمنح للأقوياء وتُفرض على الضعفاء.
العواصم العربية تتسابق لتزيين الكلمة، فيما الدم ما زال طريًّا في غزة وجنوب لبنان. يريدون منا أن نصفّق لاتفاقات تُكرّس الاحتلال وتمنح الشرعية للمعتدي، وأن نسمّي الاستسلام “واقعية سياسية”.
إسرائيل لا تبحث عن سلام، بل عن تطبيع هيمنتها. تريد حدودًا آمنة لجيشها، وأسواقًا مفتوحة لشركاتها، وسماءً خالية من المقاومة. كل ما عدا ذلك تصفه بـ “الإرهاب”. أما من يرفض أن ينحني، فتُطلق عليه آلة الدعاية لقب “عدو السلام”.
يسمّونها “اتفاقات أبراهام”، لكنها في حقيقتها صفقات إذعان. يفرض القوي شروطه، يوقّع الضعيف، ثم يُقال لنا إننا “دخلنا عهد السلام”. أي سلامٍ هذا بينما الطائرات لا تزال تحلّق فوق رؤوس المدنيين، والمستوطنات تتوسع، واللاجئون يُنسَون؟
السلام لا يُبنى فوق المقابر، ولا على أنقاض الهوية. السلام لا يُطلب من المحتلّ، بل يُنتزع من ميزان القوة. سلام بلا عدالة هو استمرارٌ للحرب ولكن بوجهٍ ناعم.
يريدون أن نقبل أن من يقتلنا يمكنه أن يوقّع معنا على “تفاهم”. يريدوننا أن ننسى أن الاحتلال لا يتغيّر بتوقيع، بل بكسر الهيمنة التي تحميه.
وفي خضم هذا العبث، خرجت منابر إعلامية عربية تمارس دور “المروّج” و”الوسيط”، تبيع الوهم باسم التنوير، وتُجمّل القيد باسم الواقعية. أصواتٌ تخاطب الناس كأنهم عبيدٌ للميكروفون، تُلقّنهم أن “الاستسلام شجاعة” و”الصمت حكمة”.
لكن الحقيقة أن هؤلاء لا يصنعون رأيًا عامًا، بل يبيعون الوعي بالتقسيط، ويقدّمون الاحتلال على أنه مستقبل مشرق. الإعلام الذي يطبع الوعي أخطر من السلاح الذي يطبع الجسد.
فلنقلها بوضوح: ما يُعرض اليوم ليس سلامًا، بل غطاءٌ سياسي لاحتلالٍ مستمرّ.
والشعوب التي جُرّبت بالدم لا تنخدع بالتصفيق الدبلوماسي. فسلامٌ بلا كرامة هو نوعٌ آخر من الهزيمة — هزيمةٌ بأقلامٍ أنيقة بدل البنادق.
بقلم: تأبط شراً الذي يرفض سلام الإخضاع
مقالة رأي تعبّر عن قناعة أن الكرامة لا تُوقَّع على الورق، بل تُصان بالموقف

