السكة – محطة عرب تكساس
تحوّل مركز احتجاز المهاجرين في أورورا بولاية كولورادو، الذي تديره شركة السجون الخاصة GEO Group لصالح وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، إلى محور قضية مثيرة أمام المحكمة العليا الأمريكية، بحسب تقرير موسّع نشرته مجلة The Atlantic الأمريكية.
يقول المحتجزون السابقون في هذا السجن إنهم تعرضوا للتهديد بالعزل الانفرادي إذا رفضوا تنظيف المرافق العامة مجانًا، مؤكدين أن الشركة أجبرتهم على القيام بأعمال النظافة دون أجر بدلاً من توظيف عمال بأجور حقيقية، وذلك بهدف زيادة أرباحها على حسابهم.
“لسنا عبيدًا، نحن محتجزون، ولا ينبغي إجبارنا على التنظيف. هذا خطأ”،
قال أليخاندرو مينوكال، أحد المحتجزين السابقين الذي رفع دعوى قضائية ضد الشركة، وفق ما أورده تقرير The Atlantic.
القضية، التي تحمل اسم The GEO Group v. Menocal، ستُعرض أمام المحكمة العليا يوم الاثنين. وتواجه الشركة سلسلة من الدعاوى المماثلة في أنحاء البلاد تتهمها بانتهاك القانون الفيدرالي الذي يحظر العمل القسري، وكذلك قوانين الحد الأدنى للأجور في الولايات.
طلب الحصانة القانونية
تطلب شركة GEO من المحكمة العليا منْحها حصانة قانونية مماثلة لتلك التي تتمتع بها الحكومة الأمريكية، بحجة أنها تعمل كمقاول حكومي ينفذ سياسات الدولة، وأن السماح بمقاضاتها سيشجع خصوم سياسات الهجرة التي تبناها دونالد ترامب على شن “حرب بالوكالة” ضدها عبر القضاء.
وقالت الشركة في مذكرتها للمحكمة، كما نقلت The Atlantic:
“بدون هذه الحماية، قد يستخدم المعارضون النظام القضائي لعرقلة تنفيذ سياسات الحكومة، مما يعيق الديمقراطية”.
لكنّ خصومها، ومن بينهم الاتحاد الأمريكي لموظفي القطاع العام، ومعهد كاتو المحافظ، ومنظمة CREW للرقابة الحكومية، وحتى إدارة ترامب نفسها، يعارضون هذا الطرح.
وترى هذه الأطراف أن منح الحصانة للشركات الخاصة سيخلق فئة من المقاولين “فوق القانون”، ويجعل من الصعب على أي شخص رفع دعاوى ضدهم في حال انتهاك الحقوق أو القوانين.
خلفية القضية
بدأت القضية قبل أكثر من عشر سنوات عندما اتهم عدد من المهاجرين المحتجزين في منشأة أورورا شركة GEO بإجبارهم على تنظيف المرافق العامة، إلى جانب تنظيف غرفهم الخاصة. وأكدوا أن من يرفض تنفيذ الأوامر يُرسل إلى الحبس الانفرادي.
قالت إحدى المحتجزات السابقات، أولغا أليكساخينا، في شهادتها التي استعرضها تقرير The Atlantic:
“كنت خائفة من الذهاب إلى الحبس الانفرادي. مجرد البقاء في الاحتجاز أمر مرعب، أما العزل فهو أسوأ بكثير”.
أما هوغو هيرنانديز سيرين، وهو محتجز سابق أيضًا، فأوضح أن من يُعاد من العزل يبدو محطمًا نفسيًا وجسديًا:
“كانوا نحيفين جدًا، صامتين، خائفين… كأنهم فقدوا إنسانيتهم”.
“عمل قسري مقابل دولار في اليوم”
بالإضافة إلى التنظيف المجاني، وظّفت الشركة محتجزين آخرين مقابل دولار واحد في اليوم للقيام بأعمال مثل الطهي، والغسيل، والبستنة، والتنظيف العام. ورغم أن هذه الأعمال كانت “طوعية” رسميًا، يقول المدّعون إنهم أُجبروا عمليًا على القبول بها بسبب الجوع، إذ كانت وجبات الطعام غير كافية، وكانوا بحاجة إلى المال لشراء طعام إضافي من المقصف.
“كانوا يستخدموننا مثل العبيد. دولار في اليوم، معاملة مهينة”،
قال مينوكال، وفقًا لتقرير The Atlantic.
أرباح ضخمة على حساب المحتجزين
تُعد GEO Group أكبر مشغل خاص للسجون في الولايات المتحدة، وأكبر جهة تدير مراكز احتجاز للمهاجرين لصالح ICE. وتلقى الشركة ملايين الدولارات سنويًا لإدارة منشأة أورورا وحدها.
ويقول المدعون إن GEO وفرت ملايين الدولارات بتقليل عدد الموظفين النظاميين، معتمدة على عمل المهاجرين شبه المجاني.
في ولاية واشنطن، رفعت مجموعة من المهاجرين دعوى مماثلة ضد GEO وفازوا بها، إذ أمرت المحكمة الشركة بدفع أكثر من 17 مليون دولار كأجور متأخرة، إضافة إلى 5.9 ملايين دولار كتعويض عن الأرباح غير المشروعة.
سؤال الحصانة أمام المحكمة العليا
القضية المطروحة الآن أمام المحكمة العليا لا تتعلق مباشرة بشرعية برامج العمل القسري أو الحد الأدنى للأجور، بل تتمحور حول مسألة قانونية أضيق لكنها بالغة التأثير:
هل يحق لمقاولي الحكومة، مثل GEO، التمتع بالحصانة السيادية التي تحمي الحكومة من الدعاوى القضائية؟
الشركة ترى أن ما يسمى بـ “الحصانة السيادية المشتقة” يجب أن يشملها طالما أنها تنفذ تعليمات الحكومة حرفيًا، وأن السماح بمقاضاتها يقوّض تنفيذ السياسات العامة.
أما خصومها فيرون أن الشركات الخاصة تعمل لتحقيق الربح لا المصلحة العامة، وبالتالي لا تستحق حصانة الحكومة.
وقالت منظمة CREW في مذكرتها:
“توسيع مبدأ الحصانة السيادية ليشمل الشركات الخاصة يتعارض مع مصلحة الشعب، ويقوّض مبدأ المساءلة في النظام الديمقراطي”، وفق ما أوردته The Atlantic.
حتى إدارة ترامب، رغم دعمها للشركات الخاصة عمومًا، رفضت موقف GEO في هذه القضية، معتبرة أن مسألة منح المقاولين حصانة من هذا النوع يجب أن يقررها الكونغرس، لا القضاء.
تداعيات القرار المنتظر
من المتوقع أن تُصدر المحكمة العليا قرارها في القضية بحلول شهر يوليو المقبل.
ويحذر خبراء قانونيون من أن منح الحصانة لشركات مثل GEO سيؤدي إلى تآكل مبدأ المساءلة القانونية، ويجعل من الصعب على الأفراد مقاضاة المقاولين الحكوميين، سواء في قضايا الهجرة أو في مجالات أخرى تتعلق بانتهاكات الحقوق المدنية.
وقال أحد ممثلي نقابات الموظفين العموميين في مذكرة دعم للمحتجزين:
“تحصين الشركات الخاصة المتعاقدة مع الحكومة من المساءلة عن الأضرار التي تلحقها بالأفراد سيقوض العدالة ويضعف الثقة في النظام القانوني بأكمله.”
المصدر: تقرير The Atlantic، بعنوان:
“At the Supreme Court, a Case About Whether Immigrant Prisoners Can Be Forced to Work for Free”.

