السكة – محطة المقالات
مع تصاعد الرفض الشعبي في الولايات المتحدة لما يصفه كثيرون بالإبادة الجماعية في غزة، تتحرك النخب الأمريكية للاستحواذ على شركات إعلامية وتكنولوجية بهدف كبح الانتقادات وإنقاذ الرواية الإسرائيلية المتداعية.
تشير بيانات حديثة إلى أن شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة وصلت إلى أدنى مستوياتها التاريخية. فقد أظهر استطلاع لـ”غالوب” في يوليو الماضي أن 32٪ فقط من الأمريكيين يوافقون على الحرب الإسرائيلية في غزة، بينما 60٪ يرفضونها.
كما وجدت “بيو” أن ثلث الأمريكيين يرون أن بلادهم تقدّم لإسرائيل مساعدات عسكرية أكثر مما ينبغي، وهي نسبة تفوق بكثير من يعتقدون أن الدعم مناسب أو غير كافٍ.
أما استطلاع “نيويورك تايمز/سينا”، فخلص إلى أن هناك تعاطفاً أكبر قليلاً مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين لدى الجمهور الأمريكي.
انهيار التأييد بين الشباب
الأزمة أكثر وضوحاً بين الفئات الشابة:
فقط 9٪ من الأمريكيين بين 18 و34 عاماً يدعمون الحملة الإسرائيلية على غزة، و42٪ من الفئة 18–29 يرون أن الولايات المتحدة تمنح إسرائيل دعماً عسكرياً مبالغاً فيه.
وبينما يحاول سياسيون مثل هيلاري كلينتون، ومستثمرون نافذون، وأعضاء في الكونغرس، إرجاع هذا التحول إلى تأثير “تيك توك”، يرى الكاتب أن هذا الاتهام يفترض ضمناً أن الشباب عاجزون عن تكوين رأي أخلاقي مستقل إزاء قتل المدنيين الفلسطينيين.
“السيطرة على الرواية”: الهجمة على وسائل الإعلام والمنصات
في 25 سبتمبر، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يشترط ملكية أمريكية لأغلبية منصة تيك توك كي تستمر في العمل داخل الولايات المتحدة، وهو توجّه بدأته إدارة بايدن ويدعمه الحزبان.
بناءً على ذلك، يستحوذ مستثمرون أمريكيون بقيادة شركة “أوراكل” على 65٪ من تيك توك. وستتولى الشركة إدارة العمليات الأمريكية والتخزين السحابي، إضافة إلى ترخيص للتحكم في خوارزمية المنصة.
يُذكر أن مؤسس “أوراكل”، لاري إليسون، أحد أكبر المتبرعين لمنظمة “أصدقاء جيش الدفاع الإسرائيلي” (FIDF). وقد صرّح صراحة بأنه يشعر بـ”ارتباط عاطفي عميق بإسرائيل” وأنه سيفعل “كل ما بوسعه لدعمها”.
وفي خطوة مشابهة داخل الإعلام التقليدي، استحوذت شركة “سكاي دانس” التابعة لعائلة إليسون على شركة باراماونت المالكة لـCBS وعدد كبير من شبكات البث، وتم تعيين باري وايس – المعروفة بمواقفها المعادية لحرية التعبير ولحقوق الفلسطينيين – رئيسةً لتحرير CBS News.
وتسعى العائلة اليوم للاستحواذ على وارنر براذرز ديسكفري التي تملك CNN وHBO.
الإعلام قبل وبعد الاستحواذ
يشير الكاتب إلى أن منصات مثل تيك توك أتاحت مساحة للخطاب المؤيد للفلسطينيين، إلا أن ذلك لا يعني أن شبكات كـCBS كانت مؤيدة لفلسطين في السابق.
فبينما نشرت CBS في عام واحد 2575 تقريراً عن غزة، لم يُذكر مصطلح “إبادة جماعية” إلا في 388 تقريراً فقط، أي 15٪ من التغطية، رغم اتفاق العديد من المصادر الحقوقية والدولية على توصيف ما يجري بأنه إبادة.
ويصف الكاتب هذا بأنه “إنكار للإبادة عبر الإغفال”، مؤكداً أن هذا النمط الإعلامي ساهم في منع قطاعات واسعة من الجمهور من فهم أن الولايات المتحدة تشارك في “عملية إبادة” وفق ما يردده المنتقدون.
تآكل الشرعية ومحاولة كتم الأصوات
بحسب المقال، تدرك الدولة الأمريكية والمليارديرات المرتبطون بها أنهم غير قادرين على كسب الرأي العام في قضية فلسطين، وأن إسرائيل تفقد شرعيتها بسرعة غير مسبوقة، خصوصاً بين الجيل الشاب.
ومع ذلك، فإن محاولة “خنق” المحتوى الذي يفضح الانتهاكات الإسرائيلية لن تنجح – حسب الكاتب – لأن الإعلام لا يعمل في فراغ، والجمهور ليس كتلة يمكن تشكيلها بالهواء الدعائي فقط.
ويضيف أن الشباب لن ينسوا:
•زملاءهم الذين عوقبوا لمشاركتهم في احتجاجات داعمة لفلسطين
•الجامعات التي استدعت الشرطة ووضعت القناصة على الأسطح لمنع الاعتصامات الطلابية
•التغطية الإعلامية المنحازة التي كذّبت تجارب الفلسطينيين بينما وثّقها صحفيون ميدانيون
ما بعد غزة: بقاء الحركة التضامنية
حتى لو تراجع زخم التظاهرات مع استمرار وقف إطلاق النار، فإن البنى التنظيمية لحركة التضامن – سواء تلك التي ظهرت بعد 7 أكتوبر أو التي سبقتها كبنية حركة المقاطعة BDS منذ 2005 – لن تختفي.
فالذاكرة السياسية التي تراكمت، والخبرة التنظيمية التي راكمها النشطاء، لن تُمحى بمجرد تغيير سياسات إعلامية أو استحواذات رأسمالية.
المصدر : “ميدل إيست آي”.
غريغوري شوباك أستاذ في دراسات الإعلام بجامعة غويلف-همبر في تورونتو، ومؤلف كتاب “القصة الخاطئة: فلسطين، إسرائيل والإعلام

