السكة – محطة المقالات
لم يعد الشرخ داخل اليمين الأمريكي مجرّد خلاف بين “معتدلين” و”شعبويين”، ولا بين المحافظين الجدد وأنصار ترامب. بل يتحوّل اليوم إلى سؤال وجودي: لمن يرفع اليمين الأمريكي رايته؟ للولايات المتحدة أم لإسرائيل؟
قد يبدو السؤال صادماً، لكنه صار محوراً صريحاً للنقاش بعد سنوات من التوتر المكتوم، وحروب الشرق الأوسط، وصعود تيار الشعبوية الوطنية الذي يعرّف نفسه من خلال شعار “أمريكا أولاً”.
هناك اليوم رؤيتان تتقاطعان ثم تتصارعان، وكلتاهما تدّعي أنها تمثل مستقبل الحزب الجمهوري:
MAGA التي تعِد بإعادة بناء الدولة من الداخل، وMIGA التي تجعل العلاقة مع إسرائيل مركز السياسة الخارجية والهوية السياسية.
وبين المشروعين، لم يعد ممكناً الوقوف في المنتصف.
حين تصطدم الواقعية بالشراكة الأيديولوجية
طوال عقود، بنى الجمهوريون تحالفهم الدولي على عقيدة ثابتة: إسرائيل ركيزة أمنية وسياسية لا نقاش فيها.
لكن صعود MAGA هزّ هذه المسلّمة. فجمهور ترامب، الذي أنهكته الحروب والتكاليف الاقتصادية، بات يسأل أسئلة لم تكن مطروحة سابقاً داخل الحزب:
من المستفيد من التحالف غير المشروط؟
لماذا يُعامل الدعم العسكري لإسرائيل كأولوية تتقدّم حتى على الداخل الأمريكي؟
ولماذا يعاقَب كل من يشكّك في هذا الإجماع؟
هذه الأسئلة لم تعد تأتي من اليسار، بل من قلب اليمين، من جمهور شبابي يشعر بأن المؤسسة المحافظة اختطفت الحركة الوطنية لصالح أجندات لا تشبهه ولا تخدمه.
حرب غزة تفجّر الاحتقان الكامن
جاءت الحرب على غزة لتكشف عمق الانقسام. فبينما سارعت قيادات يمينية تقليدية إلى تجديد الدعم لإسرائيل، بدا جيل MAGA أكثر تشكيكاً ورفضاً.
مقاطع الدمار، والإنفاق العسكري الأمريكي، والخطاب الإعلامي المتشدد… كلها دفعت قطاعات واسعة من المحافظين إلى مراجعة المسلمات القديمة.
وتحوّل الخلاف إلى صدام بين رموز الجيلين:
بن شابيرو يدافع عن قمع الاحتجاجات،
تاكر كارلسون يستضيف أصواتاً ناقدة،
شخصيات شابة تُبعد من مؤسسات إعلامية يمينية لأنها لم تلتزم بخط “الدعم الكامل”.
وبدا واضحاً أن اليمين لم يعد وحدة متجانسة، بل ساحة معركة بين رؤيتين لا تلتقيان.
قصة النفوذ: من المال إلى الإعلام إلى تشكّل الهوية
خلال سنوات ترامب الأولى، كان البعض يظن أن الصراع داخل الحزب يتعلق بالشخصيات أكثر مما يتعلق بالمبادئ. لكن ما يحدث الآن يثبت العكس:
الجدل يتمحور حول النفوذ الحقيقي داخل اليمين الأمريكي.
من يتحكم بالتمويل؟
من يحدد الخطاب المقبول؟
من يقرر مَن يُستضاف ومَن يُستبعد؟
إنها أسئلة تتجاوز السياسة الخارجية إلى صراع على تعريف الهوية الأمريكية نفسها.
فاليمين التقليدي يرى أن العلاقة مع إسرائيل جزء من الهوية الأخلاقية للولايات المتحدة.
بينما يرى التيار الشعبوي الجديد أن هذه العلاقة تُستخدم للضغط على السياسيين وقمع الأصوات المستقلة، وأنها تشكّل تدخلاً أجنبياً في السياسة الأمريكية، سواء اتفق المرء مع هذا الرأي أم رفضه.
وهذا الجدل لم يعد هامشياً. إنه أصبح من صلب الحرب على روح الحزب.
عندما تصبح ملفات الداخل رهائن لصراعات الخارج
حتى ملف جيفري إبستين – الذي شكّل لعقود رمزاً للفساد المرتبط بالنخب – عاد ليشعل المعركة من جديد.
كثيرون في MAGA رأوا أن الكشف عن شبكاته هو جزء من “المعركة ضد الدولة العميقة”.
لكن وجود روايات تربطه بشخصيات إسرائيلية أو بقنوات استخبارية أجنبية جعل الملف شديد الحساسية سياسياً.
وعندما بدا أن ترامب لا يريد المضي أبعد في فتح الملف، تزايدت الخلافات داخل معسكره نفسه.
سواء كانت هذه الادعاءات دقيقة أو مبالغاً فيها، فإنها تُظهر شيئاً واحداً:
الصراع داخل اليمين لم يعد يدور حول سياسات، بل حول حدود المسموح والممنوع سياسياً.
ترامب بين عالمين
ترامب نفسه أصبح عالقاً بين المشروعين.
فهو لا يستطيع الابتعاد عن القاعدة الشعبوية، ولا يستطيع أيضاً خسارة داعميه التقليديين وممولي الحزب.
ولذلك يبدو خطابه متردداً:
يعد إسرائيل بالدعم، ثم ينتقد نفوذ بعض التيارات المؤيدة لها.
يدافع عن شخصيات ناقدة، ثم يبتعد عنها.
يشجع الواقعية السياسية، ثم يصدر مواقف تصب في صالح المؤسسة التقليدية.
لكن هذا التوازن هشّ، ومع مرور الوقت يصبح من الصعب الحفاظ عليه.
المستقبل: نحو حزبين داخل حزب؟
الحزب الجمهوري يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي:
إما أن يعود إلى ما قبل 2016، ويستعيد التيار المؤيد لإسرائيل زمام القيادة،
أو يختار خطاً قومياً شعبوياً يضع الأولويات الداخلية فوق كل شيء.
وفي الحالتين، الطريق مكلف.
فالعودة إلى الماضي قد تُفرغ الحزب من قاعدته الشابة.
والانحياز للقاعدة قد يعني صداماً مع أكبر مراكز القوى في السياسة الأمريكية.
لكن ما يبدو واضحاً هو أن التعايش بين MAGA وMIGA لم يعد ممكناً.
إحداهما ستتفوق، والأخرى ستتراجع.
والسؤال لم يعد: “إلى أين يتجه الحزب الجمهوري؟”
بل: “أي مشروع سيكتب مستقبل اليمين الأمريكي؟”

