السبت, مايو 2, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةالسعودية وحزب الله التهدئة الهشّة

السعودية وحزب الله التهدئة الهشّة

السكة – المحطة العربية

رغم أن الرياض ما زالت تُكنّ عداءً عميقًا لحزب الله، فإنّ المخاوف المشتركة من الانهيار الإقليمي ورغبة المملكة في إعادة تموضع نفوذها في لبنان تفتح قنوات اتصال غير متوقعة مع حركة المقاومة.

في غرب آسيا، حيث تتقاطع السياسات الطائفية مع التدخلات الخارجية والصراعات المحليّة على السلطة، قلّة من الخصومات حملت رمزية واستعصاءً كالخصومة بين حزب الله والمملكة العربية السعودية.

فعلى مدى عقود، شكّلت هذه الخصومة تجلّيًا للمواجهة الأوسع بين إيران ودول الخليج، في حربٍ بالوكالة تحددت معالمها بالأيديولوجيا والنفط والجبهات المتحوّلة.

لكن اليوم، ومع الحسابات الإقليمية الجديدة، وتصاعد العدوانية الإسرائيلية، وتراجع الهيمنة الأمريكية، بدأت تلك العداوة المتصلبة تتحوّل إلى حالة أكثر ضبابية من التعايش التكتيكي. ما يتشكل ليس تحالفًا ولا مصالحة، بل هدنة براغماتية تدفعها الحاجة الملحّة لاحتواء الانهيار الإقليمي المتسارع.

طهران والرياض وظلال التاريخ الطويل

يصعب فصل الصراع بين حزب الله والسعودية عن المواجهة الممتدة بين طهران والرياض منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، حين وصف الإمام الخميني آل سعود بأنهم أداة رجعية بيد الإمبريالية الغربية.

ردّت المملكة بدعمها صدام حسين في حربه ضد إيران، ثم تدهورت العلاقات أكثر بعد مقتل حجاج إيرانيين في مكة عام 1987. يومها قال الخميني:

“لتكن الحكومة السعودية على يقين من أنّ أمريكا قد وسمتها بوصمة عار أبدية لن تُمحى إلى يوم القيامة، لا بمياه زمزم ولا بنهر الجنة.”

ومع اندلاع ما سُمّي بالربيع العربي عام 2011، عادت الجراح القديمة إلى السطح. دعمت طهران حلفاءها في دمشق وبغداد، بينما دعمت الرياض قوى المعارضة وساهمت في تأجيج الصراع الطائفي.

وفي اليمن، قادت المملكة حربًا ضد حركة أنصار الله المدعومة سياسيًا ودبلوماسيًا من إيران. وبعد إعدام الشيخ نمر النمر عام 2016، هاجم محتجون إيرانيون السفارة السعودية في طهران فقطعت الرياض العلاقات، قبل أن تُستأنف بوساطة صينية عام 2023.

من احتجاز الحريري إلى مخططات الاغتيال

في خضم هذا المشهد، أصبح حزب الله هدفًا مباشرًا للرياض.

فبعد أسر مقاتليه جنديين إسرائيليين في 12 تموز/يوليو 2006، وصفت السعودية العملية بأنها “مغامرة غير محسوبة”.

وتعمّق الاستقطاب خلال الحرب السورية، إذ قاتل الحزب إلى جانب الجيش السوري ضد فصائل مدعومة سعوديًا. وفي اليمن، أدى دعمه العلني لأنصار الله إلى فرض عقوبات خليجية عليه.

تصاعد التوتر في 2017 حين احتجزت الرياض رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وأجبرته على إعلان استقالته على الهواء من الرياض. الأمين العام الراحل حسن نصرالله اعتبر الخطوة “إعلان حرب على لبنان”.

وفي مقابلة عام 2022، كشف نصرالله أن ولي العهد محمد بن سلمان كان مستعدًا للموافقة على مخطط إسرائيلي لاغتياله، بانتظار ضوء أخضر أمريكي.

قنوات هادئة تحت المظلّة الإيرانية

رغم أن المصالحة الإيرانية–السعودية خفّفت النبرة الإقليمية، فإنها لم تنعكس مباشرة على علاقة الرياض بحزب الله. بل شددت المملكة ضغوطها في لبنان بعد هجوم إسرائيل على غزة وجنوب لبنان.

ضغطت الرياض على رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام لتنفيذ “ورقة باراك” التي تهدف إلى تهميش حزب الله سياسيًا وتجريده من سلاحه. وأبلغت قائد الجيش السابق والرئيس الحالي جوزيف عون أنها مستعدة للمضي في خطتها حتى لو أدى ذلك إلى حرب أهلية أو تفكك المؤسسة العسكرية.

مع ذلك، بدأت مؤشرات تحول تكتيكي بالظهور. ففي أيلول/سبتمبر، دعا خليفة نصرالله، الشيخ نعيم قاسم، علنًا إلى فتح “صفحة جديدة” مع الرياض — خطوة غير مسبوقة.

وبحسب مصدر سياسي تحدّث لـ”ذا كريدل”، لم تكن هذه الدعوة تلقائية، بل جاءت بعد أن نقل علي لاريجاني، المسؤول الأمني الإيراني، رسالة من حزب الله إلى الرياض عبّرت عن الانفتاح على المصالحة. وقدّم لاريجاني الرسالة لولي العهد خلال زيارة للمملكة. وبعد تجاهل أولي، عاد السعوديون لمناقشتها، لتبدأ اتصالات خلفية يشرف عليها لاريجاني شخصيًا.

محادثات طهران وتفاهمات حذرة

يشير المصدر إلى أن ثلاث جولات غير مباشرة من المحادثات بين السعودية وحزب الله عُقدت في طهران برعاية إيرانية.

الجولة الأولى تناولت خفض التصعيد السياسي، بينما ركزت الجولتان الأخريان على ملفات أمنية حسّاسة، ما يعكس استعداد الطرفين لاختبار تعاون محدود.

وتوصل الجانبان إلى تفاهم مبدئي:

  • تخفّف السعودية ضغوطها على حزب الله في لبنان وتتراجع عن المطالبة الفورية بنزع سلاحه.
  • وفي المقابل، تطلب من حزب الله إبقاء سلاحه خارج سوريا ومساعدة السلطات اللبنانية في مكافحة تهريب المخدرات.

كما تعترف الرياض ــ خلف الأبواب المغلقة ــ بأن قدرة حزب الله العسكرية تشكّل حاجز ردع في مواجهة العدوانية الإسرائيلية، في وقت لم تعد دول الخليج تثق بواشنطن لحمايتها من إسرائيل، خصوصًا بعد الضربات الإسرائيلية على الدوحة في أيلول/سبتمبر.

لكن نفوذ حزب الله في الداخل اللبناني ما زال عائقًا أمام الطموحات السياسية للمملكة.

حزب الله والسعودية: تحت المظلّة الإيرانية

الاتصالات بين الطرفين هي جزء من مشهد أوسع في العلاقة بين الرياض وطهران. يؤكد المصدر أن السعودية تعهّدت لإيران بعدم الانضمام لأي حرب تقودها إسرائيل أو الولايات المتحدة، وعدم السماح باستخدام أجوائها، مقابل تعهّد إيراني بعدم استهداف الأراضي السعودية.

ويكشف المصدر أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فوّض ابن سلمان فتح قناة مباشرة مع إيران للتوصل إلى تفاهمات بخصوص اليمن وغيرها. وأبلغ لاريجاني ولي العهد استعداد إيران للحوار، لكن من دون تقديم تنازلات نووية. وأكد ابن سلمان لترامب أن أي استقرار إقليمي يمرّ عبر تفاهم مع طهران.

وفي السياق نفسه، من المتوقع أن يزور النائب اللبناني علي حسن خليل السعودية قريبًا بعد اجتماعات في طهران، ما يشير إلى استمرار الدبلوماسية المكوكية بين أطراف محور المقاومة وإيران والرياض.

تباعد استراتيجي… وتقارب تكتيكي

من الخطأ اعتبار هذه التطورات إعادة اصطفاف. إنها مناورة مرحلية أكثر منها تحوّلًا في التحالفات.

فالسعودية تخلت عن سياسة المقاطعة التي طبقتها بين 2019 و2021 لأنها فشلت في الحد من نفوذ حزب الله أو تعزيز حلفائها. لذا تتجه اليوم نحو انخراط مرن يسمح لها بالاستثمار في لبنان دون التصادم المباشر مع القوة السياسية المهيمنة.

كما يخدم هذا النهج رغبة الرياض في الظهور كوسيط قادر لا كقوة عقابية. فعملية “طوفان الأقصى” عام 2023 غيّرت المعادلات، وأصبح التوسع الإسرائيلي مصدر تهديد للاستقرار الإقليمي. وأي حرب بين حزب الله وإسرائيل لن تبقى محصورة على الحدود اللبنانية، بل ستهدد مدن الخليج وبنيته الطاقوية ومسارات التطبيع الهشة.

أما حزب الله، فيسعى عبر الانفتاح على الرياض إلى الحصول على هامش تنفّس وسط الضغوط الإسرائيلية والضائقة الاقتصادية اللبنانية والتعقيدات الداخلية. ويمثل التهدئة مع السعودية وسيلة لمنع تدخل خليجي سلبي في سوريا.

وحين قال الشيخ نعيم قاسم إن “سلاح المقاومة موجّه فقط نحو إسرائيل”، كان ذلك أيضًا رسالة للخليج: لسنا أعداءكم.

العدو الحقيقي، بالنسبة للطرفين، هو خطر الانفجار الإسرائيلي غير المحسوب.

فالرياض تخشى التورط في حرب لا تسيطر على مسارها.

وحزب الله يخشى حصارًا متعدد الأبعاد سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

ورغم أن مصالحهما ليست متطابقة، إلا أنها لم تعد متضادة بالكامل — على الأقل الان

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا