السكة – محطة المقالات
ثامر سباعنة – جنين – فلسطين
يشكّل فصل الشتاء على الدوام فصلًا قاسيًا على الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال، لكن السنوات الأخيرة حملت مستوى غير مسبوق من المعاناة، حتى بات الشتاء نفسه يتحوّل إلى أداة تعذيب إضافية تُستخدم بوحشية ضد أجساد أنهكها الاعتقال والإهمال المتعمّد. فبين جدران إسمنتية باردة، وأسِرّة معدنية تلسع الجسد كالسياط، يجد الأسير نفسه في مواجهة عاصفة من الألم لا تنطفئ حتى مع بزوغ الصباح.
وقد حذرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين من كارثة إنسانية وشيكة تهدد الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، بعد أن تحولت الزنازين إلى ما يشبه “غرف تجميد بشرية”. وأكدت الهيئة أن إدارة السجون تتعمّد حرمان المعتقلين من الأغطية والملابس الشتوية، في سياسة تهدف لإضعافهم جسديًا ونفسيًا، وتكريس معاناة مضاعفة خلال موجة البرد التي وُصفت بأنها الأقسى منذ سنوات.
توضح الهيئة في بيانها أن البرد داخل الأقسام لا يُقارن بما هو خارج الجدران؛ فالسجون مبنية بطريقة تجعل الجدران الإسمنتية تمتص الرطوبة وتعيد بثّها ليلًا، لتصبح الغرف كهوفًا متجمدة لا تطاق. أما الهواء البارد فيدخل دون انقطاع من شقوق الأبواب والنوافذ، ليحوّل ليل الأسير إلى معركة طويلة مع البرد. ولا يمتلك الأسرى سوى ملابس خفيفة بالية لا تقي من شتاء السجون، فيما تُمنع عنهم وسائل التدفئة البسيطة التي يحتاجها أي إنسان للبقاء.
وتنقل الهيئة مشاهد موجعة من داخل السجون: أسرى ينامون على الأرض لعدم توفر الفرش الدافئة، وآخرون لا يجدون سوى قطعة قماش مهترئة يلتحفون بها، بينما يعاني المرضى من ارتجاف دائم طوال الليل دون دواء أو غطاء. إنها صور قاسية تكشف مستوى الإهمال الطبي المتعمّد، وتصفها الهيئة بأنها “أحد أشد أنواع التعذيب”، لأن البرد هنا ليس مجرد طقس، بل سياسة عقاب متواصل.
ومع استمرار هذه الظروف، تتزايد حالات الالتهابات الحادة ونزلات البرد، وترتفع معاناة الأسرى من آلام المفاصل وتراجع المناعة. الأمر لم يعد مجرد معاناة فردية، بل تهديدًا جماعيًا بالصحة والحياة، وسط تجاهل مقصود من إدارة السجون التي تستخدم الشتاء كسلاح قمع متجدد عبر سنوات طويلة، في انتهاك صارخ للاتفاقيات الدولية التي تضمن حق الأسرى في الرعاية والكرامة الإنسانية.
وحملت الهيئة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن أي تدهور صحي أو وفاة قد تنجم عن هذا الإهمال والتجميد المتعمد، مؤكدة أن ما يجري ليس “ظروفًا قاسية” فحسب، بل “هجوم مباشر على حياة الأسرى”. واختتمت بصرخة واضحة: “تتجمد أجساد الأسرى الآن، وكل ساعة صمت تعني مزيدًا من الخطر عليهم، والتدخل الفوري ليس خيارًا بل واجبًا”.
في قلب هذا الواقع، يبقى الأسير الفلسطيني ثابتًا رغم قسوة البرد، يحتمي بإرادته وصبره، ويواجه ثلج السجون بحرارة الإيمان بعدالة قضيته. لكن مسؤولية حمايته لا يجب أن تبقى داخل الزنازين؛ بل هي واجبنا جميعًا، تجاه أسرى يقاومون الموت البارد كل ليلة.

