السكة – محطة المقالات
لم يعد الخلاف السعودي–الإماراتي مجرد تباين مصالح بين حليفين في مجلس التعاون، ولا سوء تفاهم عابرًا يمكن احتواؤه بقمّة مغلقة أو بيان دبلوماسي مُنمّق. ما يجري اليوم هو صراع استراتيجي مكتمل الأركان على من يملك مفاتيح الخليج: طرق التجارة، شرايين الطاقة، وممرات النفوذ من بحر العرب إلى البحر الأحمر.
هذه ليست منافسة اقتصادية، بل معركة سيادة.
السعودية تتحرك بعقل الدولة المؤسسة، الدولة التي ترى نفسها المركز الطبيعي للجزيرة العربية، ووريثة الجغرافيا والتاريخ. أما الإمارات، فتتحرك بعقل الشركة العابرة للحدود: موانئ، عقود، قواعد نفوذ، وتحالفات سريعة، بلا اكتراث حقيقي بالحدود أو التوازنات الإقليمية.
وهنا يبدأ التصادم.
الرياض: عودة الدولة الثقيلة
منذ صعود محمد بن سلمان، قررت السعودية كسر الصورة النمطية لدولة نفطية حذرة. ما يجري اليوم هو إعادة هندسة كاملة للمنطقة، عنوانها: لا تجارة، لا طاقة، ولا عبور دون المرور عبر السعودية.
سكك حديد، موانئ، أنابيب نفط، مشاريع عملاقة مثل نيوم، ومحاولات واضحة للالتفاف على مضيق هرمز وباب المندب. الرسالة السعودية فجة وواضحة:
من يريد الوصول… عليه أن يمر من هنا.
الرياض لم تعد تقبل أن تكون الإمارات “الوسيط البحري” الذي يتحكم بخيارات الخليج، ولا أن تبقى أبوظبي بوابة الآخرين بينما تتحمل السعودية أعباء الأمن والسياسة.
أبوظبي: إمبراطورية بلا جغرافيا
في المقابل، بنت الإمارات نفوذها على البحر، وعلى فكرة أن المال والعقود يمكن أن تعوّض غياب العمق الجغرافي. موانئ دبي العالمية تمددت في كل اتجاه، من القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر، ومن اليمن إلى شرق المتوسط.
لكن هذا التمدد لم يكن بريئًا ولا ناعمًا. في اليمن، لم تكن الموانئ مشاريع تنمية، بل أدوات سيطرة. في إفريقيا، لم تكن الشراكات متوازنة، بل أقرب إلى وصاية. ومع الوقت، تحوّل النفوذ البحري الإماراتي إلى عبء سياسي، وأثار شكوك الحلفاء قبل الخصوم.
والأخطر: أن أبوظبي قررت إدخال لاعب خارجي إلى قلب الخليج.
إسرائيل: الشريك الذي فجّر التوازن
منذ التطبيع، لم تعد الموانئ الإماراتية موانئ إماراتية فقط. لقد تحولت إلى منصات نفوذ إسرائيلي غير مباشر: مراقبة، لوجستيات، معلومات، واندماج في مشاريع كبرى مثل IMEC.
بالنسبة للسعودية، هذه ليست شراكة اقتصادية، بل اختراق استراتيجي. فحين تتحول ممرات الخليج إلى امتداد للأمن الإسرائيلي، فإن ذلك يعني أن قرار المنطقة لم يعد خليجيًا خالصًا.
وهنا انتقلت المنافسة من صراع مصالح إلى صراع وجود ونفوذ.
اليمن: ساحة التصفية
لم يكن اليمن يومًا ملفًا إنسانيًا فقط. إنه عقدة الجغرافيا. والسعودية فهمت متأخرة أن شريكها في الحرب كان يبني نفوذه الخاص على حسابها.
حضرموت، المهرة، سواحل بحر العرب… كلها باتت اليوم خطوط تماس غير معلنة بين الرياض وأبوظبي. إقصاء المجلس الانتقالي الجنوبي لم يكن تفصيلًا، بل إعلان نوايا: السعودية قررت استعادة زمام الجنوب، وتأمين مخرجها البحري، وكسر الطوق الإماراتي.
إلى أين؟
نحن أمام خليج جديد، بلا أوهام “وحدة المصير” ولا خطاب “الأشقاء”.
السعودية تريد نظامًا إقليميًا تُدار مفاتيحه من البر.
الإمارات تريد شبكة نفوذ تُدار من البحر.
والطرفان يسيران نحو نقطة لا تتسع لكليهما.
الفرق أن الرياض دولة لا تستطيع الانسحاب، بينما أبوظبي لاعب يستطيع المناورة.
لكن التاريخ يقول إن الدول الثقيلة حين تتحرك… تغيّر الخرائط.
السؤال لم يعد: هل سيتصاعد الصراع؟
بل: من سيُجبر الآخر على التراجع أولًا؟
إنها حرب ممرات، نعم… لكنها في جوهرها حرب على من يحكم الخليج في العقد القادم.

