السكة – المحطة الفلسطينية
حين يخرج قيادي بحجم وموقع توفيق الطيراوي عن صمته، ويختار العلن بدل الممرات المغلقة، فالمسألة لم تعد خلافًا داخليًا ولا ملاحظة تنظيمية عابرة، بل إعلان فشلٍ مدوٍّ لمنظومةٍ حكمٍ لم تعد قادرة على حماية نفسها، ناهيك عن حماية شعبها.
رسالة الطيراوي، المنشورة بوضوح غير مسبوق، لا تقرأ كرسالة احتجاج، بل كوثيقة اتهام صريحة لسلطةٍ فقدت بوصلتها، وقضاءٍ تآكل دوره حتى بات جزءًا من المشكلة لا أداةً للحل. هي شهادة من داخل البيت الفتحاوي نفسه، تقول إن الفساد لم يعد يتسلل من الشقوق، بل يجلس في المكاتب، ويوقّع القرارات، ويوزّع الحصانات، ويُخرس كل من يجرؤ على السؤال.
في هذه الرسالة، لا يتحدث الطيراوي عن أخطاء إدارية أو تجاوزات فردية، بل عن منظومة متكاملة تُدار بمنطق الغنيمة، حيث تتحول الأرض إلى صفقة، والعدالة إلى خدمة انتقائية، والوطن إلى مساحة مفتوحة للنهب، فيما يُطلب من الناس الصمت باسم “المرحلة” و”الظرف الحساس”.
الأخطر في رسالة الطيراوي ليس ما قاله فقط، بل ما يعنيه قوله: أن القنوات الرسمية أُغلقت، وأن الشكاوى دُفنت، وأن التقارير هُدِّد أصحابها، وأن الدولة – إن بقي من معناها شيء – لم تعد تملك آليات تصحيح ذاتي، بل تكتفي بإدارة الانهيار.
هذه ليست صرخة معارض، بل تحذير رجل يعرف تمامًا ما يقول، ويعرف ثمن قوله، ويضع القيادة أمام سؤال لا يمكن الهروب منه بعد اليوم:
إما مواجهة الفساد، أو الاعتراف بأن السلطة لم تعد سلطة وطنية، بل عبئًا على القضية نفسها
وتاليا نص رسالة الطيراوي
رسالة مفتوحة إلى الأخ الرئيس محمود عباس (أبو مازن)
على مدار سنوات طويلة، خاطبتكم مرارًا وبقلبٍ مفتوح، مطالبًا بتدخلكم في قضايا متعددة تتعلق بالفساد والظلم المستشري في مؤسساتنا، حرصًا على حقوق المواطنين وصونًا للحق العام. بعض هذه القضايا جرى تحويله منكم إلى رؤساء الحكومات، وبعضها أُحيل إلى النيابة العامة، إلا أن النتيجة، ومع بالغ الأسف، بقيت واحدة: غياب أي أثر فعلي يحمي الناس أو يضع حدًا لهذا الانفلات الخطير.
لقد تمددت أيادي المتنفذين واللصوص لتطال مختلف مفاصل السلطة، على مستوى الحكومة والقضاء، حتى باتت منظومة الفساد تعمل بثقة وحصانة، وتطورت ممارساتها إلى مستويات خطيرة من التهديد والترهيب، وصلت إلى حد تهديد كبار الموظفين والخبراء ورجال العلم الذين أعدّوا تقارير موثقة تثبت تورط جهات نافذة في الاستيلاء على الأراضي والأملاك العامة والخاصة، في سلوك إجرامي يمس الكرامة الوطنية والقيم الأخلاقية في الصميم.
وأمام هذا الواقع، أتساءل بمرارة:
في أي بلد نعيش؟
وهل قدّم شعبنا كل هذه التضحيات، من شهداء وأسرى وجرحى، لنصل إلى مرحلة يُترك فيها اللصوص وسماسرة الأراضي يعيثون في الوطن فسادًا دون رادع أو حساب؟
وبعد عشرات الرسائل والملاحظات التي رفعتها لكم حول تواطؤ بعض كبار المسؤولين، وتسييس القضاء، وبعد أحاديث واسعة مع زملائي في اللجنة المركزية، ومع كوادر حركة فتح في مختلف الأقاليم، الذين لم يعودوا قادرين على تحمّل هذا الانهيار القيمي والأخلاقي داخل مؤسسات يفترض أنها حارسة للحق الوطني، أجد لزامًا عليّ أن أخاطبكم اليوم علنًا، عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
أفعل ذلك عن قناعة بأن هناك من يتعمد حجب الحقيقة عنكم أو تقديم صورة منقوصة عمّا يجري، بدوافع لا تخدم المصلحة الوطنية. ومع إيماني بأن بعض الحقيقة قد نُقلت إليكم، إلا أن التقصير في قولها كاملة دون مواربة يبقى مسؤولية لا يمكن تجاهلها.
وأمام الانهيار الخطير لدور القضاء، وتعطيل منظومة المساءلة والمحاسبة، وتحول بعض المؤسسات التي يفترض أنها حامية للحق العام إلى مظلة حماية للفاسدين، فإنني أُعلن بوضوح أن مرحلة الصمت قد انتهت. وإذا استمر هذا الواقع، فلن أتردد في كشف جميع الملفات والقضايا الموثقة ، كاملةً وبالأسماء والتفاصيل، أمام الرأي العام الفلسطيني، وعبر وسائل الإعلام المحلية والدولية، لفتح مسار محاكمة شعبية ووطنية وأخلاقية للفاسدين، في ظل غياب القضاء عن أداء واجباته الوطنية والدستورية.
وحركة فتح، حركة الجماهير التي انطلقت من أجل انتزاع حقوق الشعب الفلسطيني وصون كرامته الوطنية، لا يمكنها أن تقبل باستمرار هذا الواقع، ولا أن تصمت على تغوّل البعض الفاسد، ولا أن تكون شاهد زور على العبث بالحق العام أو التستر على من أساؤوا لتضحيات شعبنا وشهدائنا وأسرانا.
إن حجب الحقيقة جريمة، والتستر على الفساد خيانة، وكشفه واجب وطني لا يقبل التأجيل.
إن فلسطين، في ظل ما تتعرض له من مذابح وإبادة في غزة، واقتحامات وتنكيل وتدمير وتشريد يومي في الضفة الغربية، تستحق منا الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية والتاريخية.
إن السكوت اليوم، أو الاكتفاء بإدارة الأزمات، لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها.
والله على ما أقول شهيد.
توفيق الطيراوي
عضو اللجنة المركزية لحركة فتح



