الخميس, أبريل 16, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةتحديث المنهاج الفلسطيني : كيف تحذف مجزرة دون أن تترك أثرًا؟

تحديث المنهاج الفلسطيني : كيف تحذف مجزرة دون أن تترك أثرًا؟

السكة – المحطة الفلسطينية – كتب تأبط شراً 

يبدو أن الطالب الفلسطيني لم يعد بحاجة إلى دروس خصوصية في الرياضيات أو العلوم، بل في فن النسيان المنهجي. فبحسب ما يتداوله تربويون ووثائق مسرّبة، يجري “تحديث” المنهاج التعليمي تحت مظلة التمويل الدولي، حيث تتحوّل الحصص الدراسية تدريجيًا من سرد التاريخ إلى تمارين متقدمة في محو الذاكرة… مع الحفاظ طبعًا على شروط الداعمين وابتسامات المانحين.

الدرس الأول في النسخة الجديدة: كيف تحذف مجزرة دون أن تترك أثرًا؟

يُقال إن مجازر موثقة مثل دير ياسين أصبحت فجأة “تفاصيل غير ضرورية”، فيما مفاهيم مثل النكبة واللاجئين والمقاومة صُنّفت كأنها كلمات محرجة يجب إخفاؤها في أسفل الصفحة… أو ربما خارج الكتاب بالكامل. التاريخ الفلسطيني، وفق هذه الصيغة، يتحول من رواية شعب إلى هامش صغير بين فصول الاقتصاد والتنمية.

أما الجغرافيا، فقد دخلت مرحلة إعادة التسمية الإبداعية. خرائط تختفي، قرى تتبخر، ومدن تُختصر إلى “ملاحظات جانبية”، بينما تظهر مصطلحات جديدة بلمعان رسمي، وكأن الأرض قررت فجأة أن تغيّر هويتها لتناسب مزاج الممولين.

في حصة الدين، لا يتعلق الأمر بالتفسير بقدر ما يبدو تمرينًا في الانتقاء الانتقائي. نصوص تُحذف، سياقات تُختصر، وتاريخ يعاد ترتيبه بعناية ليبدو أكثر انسجامًا مع الخطاب السياسي المعاصر. والنتيجة؟ نسخة مبسطة من التراث، خالية من التعقيد… وربما خالية من الكثير من الوقائع أيضًا.

سياسيًا، يقال إن المنهاج الجديد يقدّم عرضًا خاصًا بعنوان: “كيف تتحدث عن التاريخ دون أن تذكر المقاومة أو الانتفاضات أو الأسرى”. حروب، ثورات، محطات مفصلية؟ تُطوى بهدوء. بالمقابل، تُقدّم فصول طويلة عن “نتائج اقتصادية مشرقة”، مع تجنّب أي أسئلة مزعجة حول السياسة أو الواقع.

أما الدروس التطبيقية فتبدو أقرب إلى قصص مصوّرة عن التعايش المثالي: مستوطنون ودودون، مطابخ مشتركة، ومشاريع عمل عابرة للجدران. فيلم عن الهولوكوست هنا، قصة تعاون هناك… بينما تختفي معاناة الفلسطينيين المعاصرة كأنها فصل لم يُكتب بعد.

ولأن كل منهج يحتاج إلى أبطال، فقد جرى – بحسب منتقدين – استبدال قائمة الشخصيات التاريخية بأخرى أقل إزعاجًا. أسماء ارتبطت بالنضال الوطني تتلاشى، وكأن الأجيال الجديدة مطالبة بأن تبدأ الذاكرة من الصفر… أو من تاريخ محدد سلفًا.

في النهاية، لا يبدو الجدل حول المنهاج مجرد نقاش تربوي، بل صراع على من يكتب الذاكرة، ومن يملك حق السرد. وبين شروط التمويل ومخاوف الهوية، يجد الطالب نفسه أمام كتاب مدرسي يشبه دليل استخدام جديد للوطن: نسخة مخففة، مُعدّلة، وربما… بلا بعض صفحاته الأساسية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا