السكة – محطة المقالات – كتب تأبط شرا
إذا أردت أن تفهم كيف تُدار “الثورات” في زمننا، فلا تبحث عن الخنادق… ابحث عن قاعات المؤتمرات المكيّفة. هناك، حيث تُعلن البيانات الثورية بين طبق السلمون المدخن وكوب العصير الطازج، ويمارس “المناضلون” هوايتهم المفضلة: التقاط الصور الجماعية قبل العودة إلى غرفهم الفندقية لمراجعة تقارير الولاء.
فتح — التي وُلدت يومًا من تعب المخيمات ورائحة القهوة الرخيصة — أصبحت اليوم ماركة سياسية فاخرة، تباع بالجملة في أسواق النفوذ. القرارات تُصنع في غرف مظلمة لكنها مزوّدة بخدمة خمس نجوم، والانتخابات ليست سوى حفلة تنكرية يرتدي فيها الجميع أقنعة الديمقراطية… ثم يخلعونها عند أول اجتماع مغلق.
“القائد الأوحد” لم يعد بحاجة إلى خطاب طويل؛ يكفيه جهاز تحكم عن بُعد يدير به قطيع العصابات التنظيمية: عصابة المال، عصابة الجهة، عصابة المصالح، وعصابة المصفقين المحترفين. كلهم يصرخون باسم الثورة… بينما يفاوضون على حصصهم من الكعكة التي تُخبز من عرق الآخرين.
المناصب تُوزّع كأنها هدايا نهاية العام: لمن يجيد الانحناء، لمن يصفق أطول، لمن يكتب منشور تمجيد أطول من بيان تأسيسي. أما الكفاءة؟ فهي كلمة قديمة تُستخدم فقط في الخطب، مثل شعارات الوحدة التي تُستدعى عند التصوير ثم تُعاد إلى درج النسيان.
المناضل الحقيقي؟ كائن مهدد بالانقراض. لا يملك حسابًا مصرفيًا تنظيميًا، ولا رعاة إقليميين، ولا بطاقة دخول إلى الغرف المظلمة. وجوده يذكّرهم بالماضي المزعج… لذلك يُحفظ في زاوية القاعة كقطعة أثرية، يُشار إليها بفخرٍ زائف ثم تُغطى بالقماش عندما يبدأ تقاسم الغنائم.
في جمهورية التصفيق، الحقيقة تُقاس بارتفاع الصوت لا بوزن الموقف. المهللون يتبادلون الطعنات خلف الستار ويقسمون بالوحدة أمام الكاميرات. بعضهم مدعوم من الخارج، وبعضهم يتغذى على الفتات السياسي، لكن الجميع يتفق على قاعدة واحدة: “اهتف أولًا… وفكّر لاحقًا إن تبقّى وقت بين وجبتين.”
الثورة هنا ليست مشروع تحرير… بل برنامج علاقات عامة. البندقية تحولت إلى خلفية صورة، والخندق صار ذكرى تُستخدم في المناسبات الوطنية مثل أغنية حزينة تُشغَّل لثلاث دقائق ثم يُستأنف الرقص على إيقاع المصالح.
ومن طبق الفول الذي كان يومًا رمز البدايات المتواضعة… إلى بوفيه مفتوح لا يُغلق إلا عند نفاد الكاميرات، تغيّر كل شيء إلا الشعارات. الكلمات بقيت كما هي، لكن المعاني أُفرغت منها حتى صارت مثل بالونات ملونة في حفلة بلا أطفال.
وفي النهاية، يبدو المشهد ككوميديا سوداء طويلة بلا نهاية: ثوار الفنادق بدل الخنادق، قائد واحد يوزع الأدوار، عصابات تتصارع على فتات النفوذ، وجمهور يدفع ثمن التذكرة كل مرة… ليكتشف أن العرض نفسه يُعاد منذ سنوات، مع ديكور أغلى… ومضمونٍ أكثر فراغًا


أبدعت