الخميس, يوليو 2, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتجيفري إبستين .. حين تُنتهك الإنسانية تحت غطاء السلطة والمال

جيفري إبستين .. حين تُنتهك الإنسانية تحت غطاء السلطة والمال

السكة – محطة المقالات – عبدالله شقير رئيس التحرير 

لقد مثّلت قضية جيفري إبستين التي لا زالت وسائل الإعلام تمسك بزمام خيوطها الوجهَ القبيح والمظلم لشبكات النفوذ في الغرب حيث تُنتهك الإنسانية تحت غطاء السلطة والمال، فقائمة إبستين فضيحة سياسية تنشأ بطبيعتها حينما تُمتلك القوة المطلقة والمال المطلق، ويظن أصحابها أنهم فوق القانون والمحاسبة. 

لقد ضمت قائمة إبستين النخبة من رجالات العالم كان من بينها رؤساء دول ورؤوس أموال وأمراء وأغنياء ومشاهير تحولوا إلى وحوش تمارس أبشع أنواع التعذيب والانتهاك الجنسي والقتل البطيء ، ذلك لأنهم شعروا أنهم قادرون على فعل كل عمل محرم في أمان تام من المحاسبة ، فعندما يمتلك الإنسان السلطة المطلقة في مكان معزول عن أعين الناس فإن الوحش الكامن داخله يستيقظ ليفترس كل شيء.

ولكن لماذا يفعل رجل يملك المليارات ويحكم العالم بقراراته أفعالاً بهذا الانحطاط؟ لماذا لا يكتفون بالملذات الطبيعية المتاحة لهم بلا حدود؟

الشر هو نتاج البيئة والسلطة عندما تضع إنسانًا في بيئة تمنحه سلطة مطلقة وتنزع عنه المحاسبة وتوفر له سرية تامة فإن الدوائر العصبية المسؤولة عن التعاطف في دماغه تنطفئ تدريجيًا، ويستيقظ الجانب المظلم المفضي إلى السعار الجنسي والوحشي .

هؤلاء القوم (المليارديرات والنخبة) وصلوا لمرحلة التشبع التام ، فقد أكلوا أفخر طعام وركبوا أغلى طائرات ، وامتلكوا كل ما يمكن شراؤه فماتت عندهم المتعة الطبيعية وأصابهم الملل، فالدوبامين لم يعد يُفرز بالأشياء المباحة وهنا تبدأ الكارثة ؛ البحث عن النشوة القصوى، فالعقل المريض يبدأ البحث عن المستحيل .

ولكن لماذا الأطفال بالذات ولماذا العنف ؟ لأن هذا ببساطة هو الخط الأحمر المتبقي، وفي كسره يتملّكهم دفق شعوري بأنهم فوق البشر، وأن قوانين البشر أمثالنا لا تسري عليهم .. هم لا يبحثون عن الجنس.. هم يبحثون عن نشوة انتهاك القانون الإلهي .

هؤلاء القوم لا يرون الضحايا كبشر لهم أرواح ومشاعر وأهل ، بل يرونهم أشياء تمامًا كسيارة فارهة بالنسبة لهم أو ربما كوجبة لذيذة فالعالم كله يديرونه كرقعة شطرنج ، وفي تلك الغرف المغلقة في جزيرة أبستين مارسوا تشييء البشر في أبشع صوره ، فممارسة الوحشية مع قاصر أو شخص مستضعف لا علاقة لها بالشهوة الجنسية بل لها علاقة بالقوة،  يريدون أن يشعروا أنهم فوق كل ذي سلطان ، يملكون حق الألم وحق المصير وحق انتهاك براءة كائن آخر دون أن يجرؤ أحد على إيقافهم ، فأمثال هؤلاء حين يمتلكون المال المطلق والسلطة المطلقة يتحولون إلى شياطين تبحث عن المتعة في أنين الآخرين .

كان جيفري إبستين مليارديراً أمريكياً من أصول يهودية، بدأ مسيرته المهنية كمعلم للرياضيات قبل أن يقتحم عالم المال والأعمال كخبير ومستشار مالي، استطاع بذكائه ودهائه بناء شبكة علاقات أخطبوطية ضمت رؤساء دول وملوكاً ورجال أعمال بارزين ومشاهير عالميين .. امتلك جزيرة خاصة في “جزر العذراء الأمريكية” بالبحر الكاريبي وفيها مارس نشاطه الشيطاني. 

​ بداية المخطط الإجرامي

​ارتبط إبستين بـ غيسلين ماكسويل -ابنة إمبراطور الإعلام روبرت ماكسويل – والتي أصبحت شريكته الاستراتيجية حيث أسسا معا تنظيماً سرياً لاستدراج الفتيات القاصرات (دون سن الثامنة عشرة) لتقديمهن لزبائن من النخبة العالمية وذلك باستهداف الفتيات من عائلات فقيرة أو بيئات هشة عن طريق إعطاء وعود كاذبة بمنح دراسية أو فرص عمل وهمية تنتهي بالاستغلال والانتهاك.

​في عام 2005، فجّرت عائلة فتاة في فلوريدا القضية، وكشفت التحقيقات عن شبكة دعارة منظمة، ومع ذلك وبشكل يثير الريبة تم تسوية القضية عام 2008 بصفقة مع النيابة حيث ​حُكم عليه بالسجن لمدة 13 شهراً فقط،
​وتم سجنه في معتقل خاص مع السماح له بالخروج نهاراً لممارسة أعماله.

​في تموز 2019 أُعيد اعتقاله بناءً على أدلة وتحقيقات جديدة، وبعد شهر واحد فقط وُجد ميتاً داخل زنزانته ، وأعلنت السلطات أنها واقعة انتحار ، لكن هذه الرواية واجهت شكوكاً كبيرة لأسباب كثيرة منها ​تعطل كاميرات المراقبة بشكل مفاجئ و​نوم الحراس أو غيابهم عن أداء واجبهم في تلك الليلة حيث ​كان من المفترض وضعه تحت مراقبة مشددة لمنعه من الانتحار ، مما يعزز فرضية تصفِيته لإسكاته عن كل الأسرار التي يحملها في صدره وفي وثائقه التي خرجت للعلن .

ضمت الملفات التي كشفت عنها وزارة العدل الأمريكية حقائق صادمة إذ حوت ​قائمة بأسماء آلاف الشخصيات التي زارت الجزيرة أو استقلت طائرته الخاصة المعروفة بـ “لوليتا إكسبريس”، كما تضمنت  مراسلات بالبريد الإلكتروني مع سياسيين وفنانين ومشاهير ​وشهادات للضحايا وإفادات مؤلمة لفتيات يصفن الاعتداءات التي تعرضن لها.

ومن ​أبرز الشخصيات المذكورة في الوثائق:

​ دونالد ترامب: ورد ذكره في آلاف الصفحات مع شهادات تدعي تورطه.
​ بيل كلينتون: سُجل كزائر دائم ومتكرر للجزيرة.
​ الأمير أندرو: واجه اتهامات مباشرة بالاعتداء، مما أدى لتجريده من ألقابه الملكية.
​ بيل غيتس: ظهرت مراسلات تربطه بإبستين.
​ إيلون ماسك: ورد اسمه في مراسلات لطلب زيارة، لكنه أكد رفضه للدعوة لاحقاً.
​ شخصيات عربية: أشارت تقارير لوجود أسماء من السعودية والإمارات وقطر ضمن القوائم.

ولكن وبعد انتشار ملفات إبستين الموثقة والبعيدة عن التزييف ظهر بشكل جلي حجم الجرائم المرتكبة في حق القاصرات من جهة وفي حق الأطفال من جهة أخرى من خلال مقاطع مصورة ومراسلات موثقة ومن خلال شهادات بعض الضحايا ومن بينهم أطفال مورس في حقهم التعذيب .

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب لدي في هذا الأمر كله قضيتان أرى الإعلام لا يثير فيهما جدية بقدر الحديث عن اغتصاب القاصرات ، القضية الأولى تلك الطقوس الغريبة التي كانت تمارس والتي تحدث عنها بعض الضحايا والتي شملت تعذيب الأطفال وقتلهم وشرب دمائهم ، والقضية الثانية وهي الأهم أن الأمر كله وبرمته لا زال خبرا متداولا على الواجهة الإعلامية دون رؤية أي تحرك أو نية لمحاسبة تلك النخبة على جرائمهم مما يعطينا انطباعا أننا أمام ثلة قد حكمت العالم بقانون خاص تولد لديهم من القوة والسلطة والنفوذ حتى أدركوا أنهم فوق القانون وأنهم لن يطالهم حساب ، ولعلنا ندرك منهم طغيانا أكبر في قابل الأيام .

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا