الجمعة, فبراير 20, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتاشتياق لا ينطفئ… ورمضان خلف القضبان

اشتياق لا ينطفئ… ورمضان خلف القضبان

السكة – محطة المقالات ثامر سباعنة

يأتي شهر رمضان كل عام محمّلًا بالسكينة والطمأنينة، فتجتمع العائلات حول موائد الإفطار، وتتعالى أصوات الأذان في المساجد، وتزدحم البيوت بضحكات الأحبة. لكن خلف القضبان، في زنازين الأسر، يمرّ رمضان بطعم مختلف، بطعم الاشتياق الذي لا ينطفئ، وبوجع الغياب الذي لا يخفّ.

في كل إفطار، يكون غياب العائلة حاضرًا بكل ثقله. موائد البيت التي كانت عامرة بالأبناء والآباء تتحول إلى ذكرى موجعة في قلب الأسير، ورسائل قليلة – إن سُمح بها – تصبح كنزًا نادرًا يتداوله الأسرى فيما بينهم. أحيانًا تُمنع الرسائل، وأحيانًا تكون شحيحة، فيبقى الشوق للأهل والحرية مضاعفًا، يطرق أبواب القلب مع كل أذان مغرب. رمضان يمرّ، نعم، لكن الغياب يبقى ثقيلًا، كأنه جزء من تفاصيل الزنزانة نفسها.

الأسير الفلسطيني لا يعيش رمضان كما ينبغي أن يُعاش؛ فبدل دفء العائلة، هناك جدران باردة، وبدل مائدة عامرة، وجبات محدودة تفتقر لأبسط مقومات الكرامة. ومع ذلك، لا ينطفئ في داخله نور الإيمان، ولا تخبو روحه أمام القيود. فكما تقول العبارة الصادقة: روح تقاوم العزل رغم القيود.

يحافظ الأسرى، قدر ما يستطيعون، على صلاة الجماعة داخل الأقسام، متحدّين القيود والإجراءات. يتحلقون حول بعضهم البعض، يصلّون، يقرؤون القرآن، ويتشاركون القليل الذي يملكونه من طعام أو تمر. يحوّلون الزنازين إلى مساحات ذكر وتلاوة، ويتشبثون بروح الجماعة والانتماء، لأنهم يدركون أن وحدتهم هي مصدر قوتهم.

في رمضان، تصبح الزنزانة ساحة مقاومة معنوية. مقاومة بالصبر، وبالإيمان، وبالتمسك بالكرامة الإنسانية. يتقاسم الأسرى اللقمة، ويتبادلون الكلمات الطيبة، ويخلقون من ضيق المكان فسحة أمل. قد تُقيّد الأجساد بالسلاسل، لكن الأرواح تبقى طليقة، تتطلع إلى السماء، وتستمد من الشهر الكريم قوة إضافية على الصمود.

ليس الألم في الجوع أو التعب فحسب، بل في تفاصيل صغيرة تُذكّر الأسير بحياته خارج السجن: صوت أطفاله، دعاء والدته، جلسة عائلية حول مائدة الإفطار. هذه الذكريات تتحول في رمضان إلى مشاهد حيّة في الوجدان، تزيد الشوق اشتعالًا، لكنها في الوقت ذاته تمنحه سببًا إضافيًا للصبر والثبات.

رمضان للأسرى ليس شهرًا عاديًا؛ إنه اختبار يومي للروح، وفرصة لتعزيز الإيمان وسط العتمة. وبين جدران السجن، يولد معنى مختلف للصيام: صيام عن الحرية، وصبر على الفقد، وثبات أمام محاولات الكسر. ورغم كل شيء، يثبت الأسرى أن القيود لا تستطيع أن تطفئ نور العقيدة، ولا أن تسلب الإنسان إنسانيته.

رمضان يمرّ… لكن حكاية الصبر لا تنتهي. والاشتياق لا ينطفئ.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا