السكة – محطة المقالات – تأبط شرا
ضمن سياسات الانتهاكات المُمنهجة التي تمارسها منظومة السجون الاسرائيلية بحق الاسيرات الفلسطينيات تترأس سياسة (التفتيش العاري) رأس الهرم، حيث تعد القضية الأشد حساسية من بين جميع الممارسات المُهينة بحقهن والمرفوضة قانونيا ودينيا ومجتمعيا، حيث يشكّل التفتيش العاري للأسيرات الفلسطينيات واحداً من أكثر الممارسات إثارة للصدمة والاستنكار، لما ينطوي عليه من انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية، وتعدٍّ مباشر على الخصوصية الجسدية والنفسية للمرأة.
تتواتر شهادات حول إخضاع الأسيرات لإجراءات تفتيش مهينة، تُنفَّذ بشكل متكرر وتعسفي، ودون مراعاة لأبسط المعايير الأخلاقية والإنسانية منها :
إجبار الاسيرات على خلع ملابسهن بحجة التفتيش، وفي حال رفضت الاسيرة يتم تعنيفها بالضرب والشتائم والصراخ ومن ثم تهديدها بأنه سيتم تفتيشها وتعريتها من قبل جنود (ذكور)، في حين ان بعض الشهادات الأخرى ذكرت بأنه حتى هذا الاستثناء تم اقصاؤه، حيث روت بأنه تم اقتياد إحدى الأسيرات أمام زنازين السجناء الأسرى وهي عارية تماما بهدف إذلال الطرفين واستغلال عجزهم أمام مشاهد الانحطاط والسقوط الأخلاقي المتعمد، فضلا بأن عمليات التفتيش هذه تكون موثقة امام كاميرات المراقبة التابعة لإدارة مصلحة السجون.
فالتفتيش العاري انتهاك للكرامة قبل أن يكون إجراءً أمنياً .
مهما كانت الذرائع المقدَّمة لتبريره، يتجاوز التفتيش العاري كونه إجراءً أمنياً إلى كونه فعلاً يمس جوهر الكرامة الإنسانية، فالأسيرة التي تعيش أصلاً ظروف الاعتقال القاسية، تجد نفسها أمام تجربة نفسية قاسية تترك آثاراً طويلة الأمد من الصدمة والإذلال وفقدان الإحساس بالأمان ، حيث أن المعايير الدولية لحقوق الإنسان – كما تؤكد عليها هيئات تابعة لـ الأمم المتحدة – تشدد على ضرورة احترام كرامة المحتجزين وعدم إخضاعهم لمعاملة مهينة أو حاطّة بالكرامة.
رفض ديني قاطع
من منظور ديني تمثل كرامة الإنسان قيمة عليا لا يجوز المساس بها، وقد أولت الشريعة الإسلامية عناية خاصة بصَون جسد المرأة وسترها، واعتبرت انتهاك خصوصيتها اعتداءً محرماً وعليه، فإن إخضاع الأسيرات لتفتيش عارٍ قسري يتعارض مع مبادئ الحياء والستر وصيانة العرض، وهي مبادئ راسخة في الوعي الديني للمجتمع الفلسطيني والعربي عموماً.
ولا يقتصر الرفض على البعد الإسلامي فحسب، بل إن مختلف الشرائع السماوية تؤكد على حرمة الجسد ووجوب صون كرامة الإنسان، خصوصاً في حالات الضعف أو الأسر.
صدمة مجتمعية وتعارض مع العادات والتقاليد
في المجتمع الفلسطيني، كما في كثير من المجتمعات العربية، تحظى المرأة بمكانة خاصة ترتبط بالشرف والكرامة العائلية، ومن ثم فإن تعريض الأسيرات لمثل هذه الممارسات لا يمسهن وحدهن، بل يمتد أثره إلى أسرهن ومحيطهن الاجتماعي، ويُنظر إليه كاعتداء على النسيج القيمي بأكمله؛ حيث أن العادات والتقاليد التي تُعلي من شأن الحشمة والخصوصية ترى في التفتيش العاري انتهاكاً غير مقبول، لا يمكن تبريره تحت أي ظرف، وهو ما يفسر حالة الغضب والاستنكار الشعبي الواسع كلما كُشفت شهادات جديدة حول هذه الممارسات.
الأطر القانونية والحقوقية
تنص القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء الصادرة عن الأمم المتحدة، والمعروفة باسم “قواعد نيلسون مانديلا”، على ضرورة احترام كرامة جميع المحتجزين، وتقييد إجراءات التفتيش بما يضمن عدم المساس بسلامتهم الجسدية والنفسية “لايستخدم التفتيش للتحرش بسجين أو تخويفه أو التطفل دون داع على خصوصيته”.
كما شددت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) على أهمية حماية النساء من أي شكل من أشكال الإذلال أو العنف أثناء الاحتجاز، وتؤكد منظمات حقوقية من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أن التفتيش العاري يجب أن يكون إجراءً استثنائياً، يُلجأ إليه فقط عند الضرورة القصوى، وأن يتم بوسائل تحترم الخصوصية وبإشراف نسائي عند تفتيش الأسيرات.
دعوة إلى المساءلة والحماية
إن حماية الأسيرات الفلسطينيات من أي معاملة مهينة مسؤولية قانونية وأخلاقية تقع على عاتق المجتمع الدولي والعربي والإسلامي ومن ثم مؤسسات حقوق الإنسان؛ فالأمر لا يحتاج إلى الكثير من التحليل والتفكير في أسباب وحيثيات هذا التطاول والجراءة التي وصلت حد الانحطاط الأخلاقي والممارسات اللاانسانية بحق الاسرى والأسيرات، والمطلوب ليس فقط وقف التفتيش العاري، بل ضمان آليات رقابة شفافة، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في انتهاكات تمس الكرامة الإنسانية.
حيث تبقى كرامة الإنسان خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه؛ فالأسيرة مهما كانت التهم الموجهة إليها، تظل إنسانة لها حق أصيل في الاحترام والحماية، وأي ممارسة تنتقص من هذا الحق تمثل سقوطاً أخلاقياً قبل أن تكون مخالفة قانونية.

