السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
تقرير صحفي
مع حلول شهر رمضان، تتجه الأنظار إلى الأجواء الإيمانية التي تملأ البيوت والمساجد، حيث تجتمع العائلات حول موائد الإفطار، وتتعالى أصوات الدعاء والقرآن. غير أن آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال يستقبلون الشهر الفضيل في ظروف قاسية، تحكمها القيود والعزل وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
في كل إفطار داخل السجن، يكون غياب العائلة حاضرًا بقوة. موائد البيت التي كانت تجمع الأحبة تتحول إلى ذكرى موجعة، ورسائل الأهل – إن وصلت – تكون قليلة أو ممنوعة، ما يجعل الشوق للأهل والحرية مضاعفًا. “رمضان يمر، لكن الغياب ثقيل”، عبارة تختصر واقع الأسرى، حيث يصبح الاشتياق نارًا لا تنطفئ، ويغدو الصبر زادهم اليومي.
في هذا التقرير، نستعرض شهادات ثلاثة أسرى محررين، نقلوا لنا صورة حيّة عن تفاصيل رمضان خلف القضبان.
يقول الأسير المحرر فارس سباعنة من قباطية:
“أصعب لحظة في رمضان داخل السجن هي لحظة أذان المغرب. كنت أتخيل والدتي وهي تضع الطعام على المائدة، وأبي يجلس في مكانه المعتاد، وإخوتي حوله. في الزنزانة، كنا نجلس بصمت، ننتظر وجبة بسيطة لا تشبه إفطار رمضان. الغياب كان حاضرًا أكثر من أي شيء آخر”.
ويضيف سباعنة:
“كنا نحاول أن نحافظ على روح الشهر، فنقيم صلاة الجماعة ما أمكن، ونتشارك القليل الذي نملكه. أحيانًا كانت الرسائل تُمنع عنا، وأحيانًا تصل بعد شهور. لكننا كنا نحول الزنزانة إلى مساحة ذكر وتلاوة قرآن. رمضان بالنسبة لنا كان مساحة مقاومة معنوية”.
من جانبه، يؤكد الأسير المحرر مرشد شوامرة من رام الله أن روح الجماعة داخل السجن كانت السند الأكبر للأسرى في رمضان. ويقول:
“رغم القيود، كنا نتشبث ببعضنا البعض. نتقاسم التمر إن توفر، ونوزع الطعام بعدل، ونحرص على أن لا يشعر أحد بالوحدة. الزنازين كانت تتحول إلى حلقات ذكر وقراءة قرآن. كنا نخلق من ضيق المكان فسحة أمل”.
ويتابع شوامرة:
“رمضان في السجن ليس مجرد صيام عن الطعام، بل صيام عن الحرية. هو اختبار يومي للصبر. كنا نقاوم العزل بالإيمان، ونقاوم القهر بالانتماء لبعضنا البعض. كانوا يستطيعون تقييد أجسادنا، لكنهم لم يستطيعوا تقييد أرواحنا”.
أما الأسيرة المحررة (م. ب) من نابلس، فتصف رمضان في سجون الاحتلال بقولها:
“الاشتياق لا ينطفئ، خاصة حين تتذكرين أبناءك وأهلك. في كل إفطار كنت أستحضر وجوههم أمامي. الرسائل كانت قليلة جدًا، وأحيانًا تُمنع بالكامل. ذلك كان أشد ألمًا من الجوع نفسه”.
وتضيف:
“كنا نحاول أن نحافظ على صلاة الجماعة وقيام الليل، ونشجع بعضنا البعض. حولنا الزنزانة إلى مساحة إيمان وصمود. رمضان كان يمنحنا طاقة روحية كبيرة، رغم كل شيء. كنا نشعر أن الشهر يمنحنا قوة إضافية على التحمل”.
شهادات الأسرى المحررين تؤكد أن رمضان خلف القضبان ليس شهرًا عاديًا، بل محطة مضاعفة من الألم والصبر. غياب العائلة، موائد تتحول إلى ذكرى موجعة، رسائل قليلة أو ممنوعة، وشوق متزايد للحرية. ومع ذلك، تبقى روح المقاومة حاضرة، ويظل رمضان بالنسبة للأسرى مساحة إيمان وصمود، تتحول فيها الزنازين إلى ساحات مقاومة معنوية.
رمضان يمر، لكن حكاية الأسرى لا تنتهي، والاشتياق لا ينطفئ.

