الإثنين, يونيو 29, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتماذا تعرف عن الجدران الحمراء داخل المعتقلات الإسرائيلية؟

ماذا تعرف عن الجدران الحمراء داخل المعتقلات الإسرائيلية؟

السكة – محطة المقالات – منية سلاطنة

في مقابلة حصرية لموقع “السكة” ذكرت لنا الأسيرة المحررة (ن.أ) ما عايشته داخل المعتقلات الإسرائيلية، حيث روت تفاصيل اعتقالها ابتداءً بأولى لحظات الاعتقال وصولاً الى سجن الدامون..

لحظة الاعتقال

تذكر بأنه في ليلة اعتقالها وفي ساعات متأخرة من الليل تم اقتحام البلدة ومن ثم التوجه الى الحي الذي تسكن فيه، تقول: استبعدت تماما أن أكون المستهدفة من هذا الاقتحام؛ فأنا ناشطة عادية اتواجد في وقفات الاعتصام أناصر الأسرى وأهاليهم، لم يخطر على بالي قط بأنه سيتم اعتقالي لهذا السبب!

في تلك الليلة تم محاصرة بيتي بالكامل بواسطة كتيبة كاملة من الجنود استغربت هذا العدد وللحظة الأخيرة ظننت بأنهم في بيت جيراننا وليس بيتنا حتى قُرع الباب بشدة لدرجة كاد أن يُخلع وخُلع قلبي معه من الرعب؛ كان وراءه من يصرخ (افتح جيش) فتحت الباب ثم دخل الجنود بهمجية وعبثوا بجميع محتويات المنزل بلا داع، خفت على اطفالي كثيراً لم يهمني وجود الجنود ولا صراخهم هرعت لأوقظ أطفالي قبل أن يتفاجأوا بوجودهم فوق رؤوسهم، قلبوا المنزل رأساً على عقب عاثوا به خراباً مُتعمداً رغم معرفتهم بأنه لا يوجد أحد هناك سوى أنا وأطفالي..

فحصوا هويتي وفتشوا هاتفي، وإلى هذه اللحظة كنت اظنه اقتحاما عادياً سيدمرون ويرهبون ويرحلون.. إلى أن أتى (الكابتن) وقال لي هيا ستأتين معنا، سألته باستغراب إلى أين؟ ولماذا ؟

فأجابني: أنت رهن الاعتقال وستعرفين السبب لاحقاً..

بدأ أطفالي في البكاء، لم أنكر انهياري في تلك اللحظة وصدمتي ولكنني أجبرت على التماسك فعقلي مشغولا بأطفالي؛ كيف سأتركهم ؟ من سيرعاهم؟ ما مصيرهم بعد اعتقالي؟ لدي طفل رضيع أيضاً ما الذي سيحدث لا أعلم شيئاً، مصيري ومصيرهم مجهولٌ تماماً..

كنت أرتدي ملابس الصلاة .. بدلت ملابسي بصعوبة حيث لم أجد شيئا مناسبا لهذا الليل البارد، بسبب الخراب الذي خلّفوه، والمجندة لم تفارقني ولو للحظة، ارتديت أي شيء استطعت استخلاصه من بين الفوضى ونزلت الى الطابق الأرضي لأودع أطفالي وقلت لهم” تبكوش يماما إحنا أقوى منهم” أردت أن تظل إرادتهم قوية ولم أستطع احتضانهم حتى لا أنهار أمامهم فنضعف نحن الطرفين ونحقق إرادة العدو فينا..

كانت تلك اللحظات الأخيرة التي أرى فيها النور، قبل خروجي من المنزل تم تكبيلي إلى الخلف وتم بعدها تعصيب عيني بقطعة قماش كنت أضعها على أثاث شرفة المنزل، في تلك اللحظة شعرت بتجمع الجنود من خلفي ظننت بأنهم سيضربونني، ثم فهمت لاحقا بأنهم تجمعوا خلفي على شكل نصف دائرة والتقطوا صورة بمعنى (تمت المهمة).

رحلة الوصول الى المعتقل

رموا بي داخل إحدى الجيبات العسكرية كان أرضيته عبارة عن حصى ومقاعده حديدية لم أرها ولكنني استشعرتها، كنت في وضعية النائمة على جانبي على الأرض والجنود من حولي على المقاعد، لا أخفيك سراً كان تخوّفي الأكبر أن يتم التحرش بي، فتقوقعت على نفسي وبدأت بتمتمة آيات من القرآن الكريم، ولكن سرعان ما بدأوا بضربي من كل اتجاه مع السباب والشتم الذي لا يطاق..

محطات الاعتقال ومراكز التحقيق

في الطريق إلى مركز التحقيق لم أعلم حينها شيئاً عن الوقت، كل ما أعرفه بأنها كانت ساعات طويلة وعصيبة..
وصلنا إلى محطة انتقال ما قبل معتقل (الهشارون)، تعتبر أول مراكز التحقيق حيث تم تفتيشي هناك تفتيش عاري من قبل مجندة، رفضت في البداية فقامت بالصراخ علي وهددتني إن لم أستجب ستقوم باستدعاء الجنود لتفتيشي فخضعت لها مرغمة وأجزم لك رغم كل الصعوبات اللي مررت بها في جميع مراحل الأسر كانت تلك اللحظة هي الأصعب ولم أستطع تجاوزها إلى الآن.

بعد تفتيشي زجوني في زنزانه صغيرة بجدران عالية ونوافذ مفتوحة والبرد قارس جدا والأرض مقرفة، الحركة داخلها محدودة يوجد فيها سرير من الاسمنت وبدون فرشة لم أستطع النوم ولا الجلوس حتى أني بقيت مستيقظة إلى اليوم التالي، حيث تم نقلي الى المحطة الثانية.

في الهشارون

قبل وصولي الى هناك تم نقلي ببوسطة مع أسرى آخرين، أذكر حينها بأني جلست بوضعية القرفصاء لأن المكان لا يتسع وخشيت أن أضايق أحدا من المعتقلين الاخرين، جلست هكذا طول الطريق حتى أنني لم أعد أشعر بقدميّ عند وصولنا، أما عن الهشارون كان هناك مجموعة زنازين، الزنزانة عبارة عن غرفة صغيرة بنافذة مرتفعة وسريرين ومقعد من حديد، السرير عليه فرشة جلد رقيقة جداً يتم احضارها في الساعة السادسة مساءً وسحبها تمام السادسة صباحاً، لم أعرف للنوم سبيل كانت هناك ازعاجات متعمدة، تكشيفات بالمصابيح داخل الزنزانة طوال الليل، فضلا عن صعوبة استخدام المرحاض بسبب وجود كاميرات المراقبة.

سألوني إذا كنت أريد تناول الطعام فأجبت بنعم من باب الفضول، فقاموا بإحضار وجبة من الطعام عبارة عن كمية بمقدار ملعقة من الأرز والبازيلاء تبدو وكأنها استخرجت من القمامة .. اشمأزت نفسي ولم أتذوقها أبدا.

في اليوم التالي قاموا بإحضار فتاة معتقلة أخرى واليوم الذي يليه فتيات أخريات وهكذا..

أما في عن غرفة التحقيق، فلم يكن هناك أي تهمة حقيقية موجهة إلي؛ كان المحقق مراوغاً يُحاول تلفيق أي تهمة إلي ولكنني التزمت الصمت حتى كاد يُجن ويصرخ وبقيت في غرفة التحقيق لساعات، حتى أنني أذكر بأنهم كانوا يتساءلون لمَ أخذ معي التحقيق كل هذه الساعات فأجابهم بأنني أملك صفة وظيفية (لا أريد ذكرها) تميزني بالذكاء والفطنة ولم يستطع أخذ مني أي معلومة صحيحة أو خاطئة.

الزنزانة ذات الجدار الأحمر

في اليوم الثالث تم نقلي الى زنزانه لم يميزها عن سابقاتها سوى جدرانها الحمراء! ذهلت لرؤيتي هذا المنظر غير المفهوم واستلقيت محاولة النوم، وما لبثت ان اغفو من شدة التعب حتى استيقظت من لسعات غريبة؛ واذا بها حشرات (البق) تنهش بكامل جسدي حاولت التخلص منها ولكن عبثا فأعدادها هائلة ولا يمكن السيطرة عليها بنفضها بعيدا عني فقط، بدأت بقتل ما استطعت منها حينها فهمت أسباب تلون الجدران باللون الأحمر؛ كانت عبارة عن دماء الحشرات التي تم التخلص منها من قبل سجناء كانوا قبلي، ومع ذلك لم استطع النوم ولا التخلص منها.

المحطة الأخيرة – الدامون –

في اليوم التالي تم اقتيادي الى سجن الدامون عبر البوسطة وانا مكبلة الايدي والأرجل لساعات طويلة، حيث أن رحلة البوسطة ليست سهلة ابدا، فور وصولي تعرضت للتفتيش العاري مرة أخرى وقاموا باجراء فحوصات طبية لتشخيصي اذا كان هناك امراض لإضافتها إلى سجلي، سألوني حينها اذا كنت أعاني من أية أمراض فأخبرتهم بأني أعاني من (الديسكات) الغضروفية وضيق في التنفس لأكتشف بعدها بأنه لم يتم تسجيل أي من هذه الملاحظات ومن ثم اتهامي كذباً بأني لم أخبرهم .

فور وصولي لمعتقل الدامون، لا أخفيك بأني تنفست الصعداء قليلاً ” فالموت مع الجماعة رحمة” استقبلنني الاسيرات هناك واحتضنّني وحاولن التخفيف عني وقمنَ بتجميع قطع من الملابس من بعضهن البعض من اجل أن استحم إلى حين احضار لباسي الخاص من قبل إدارة السجون، كان ذلك اليوم الأول الذي أبدل فيه ملابسي منذ يوم اعتقالي كان جسمي مُتصبغاً باللون الأزرق من آثار الضرب ولسع الحشرات، وبعدها بدأ الجزء الثاني من المعاناة الذي تشاركته مع أسيرات الدامون إلى حين خروجي بصفقة طوفان الأقصى.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا