السكة – المقالات- ثامر سباعنة
في الزنازين الضيقة، حيث يضيق المكان وتثقل الجدران بالصمت، تعيش الأسيرات الفلسطينيات فصولاً يومية من المعاناة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن هذه المعاناة تتخذ وجهاً أكثر قسوة مع حلول شهر رمضان المبارك. فالشهر الذي يُفترض أن يكون موسماً للسكينة والروحانية ولمّ الشمل العائلي، يتحوّل خلف القضبان إلى مساحة إضافية للحرمان والضغط النفسي والتجويع والعزلة.
الأسيرة الفلسطينية لا تواجه فقط سلب حريتها، بل تعيش واقعاً مركّباً من الانتهاكات اليومية. في رمضان، تبدأ المعاناة مع وجبة السحور التي كثيراً ما تأتي متأخرة أو بكمية لا تكفي لسدّ الجوع لساعات طويلة من الصيام. شهادات عديدة تحدّثت عن تقليص كميات الطعام أو رداءة نوعيته، في وقت يحتاج فيه الصائم إلى غذاء متوازن يحفظ صحته. يتحوّل الصيام، الذي هو عبادة واختيار، إلى حالة مضاعفة من الحرمان حين يُفرض على الأسيرة أن تواجه الجوع دون الحد الأدنى من مقومات الرعاية.
ولا يقف الأمر عند حدود الطعام. فحرمان الأسيرات من معرفة أوقات الأذان بدقة يمثل شكلاً آخر من أشكال التضييق. في بيئة مغلقة لا يُسمع فيها صوت المؤذن، تعتمد الأسيرة على تقديرات تقريبية أو على ساعة قد لا تكون مضبوطة، ما يربك توقيت الإفطار والسحور والصلاة. هذا الحرمان من أبسط الطقوس الروحية يترك أثراً عميقاً في النفس، إذ تشعر الأسيرة بأنها معزولة حتى عن الزمن، وكأن رمضان يمرّ من خلف نافذة مغلقة لا تصلها نسماته كاملة.
الضغط النفسي في رمضان يتضاعف أيضاً بسبب الاشتياق للعائلة. تتذكر الأسيرة مائدة الإفطار في بيتها، وجلسات الدعاء الجماعي، وضحكات الأطفال، ورائحة القهوة بعد التراويح. في المقابل، تجلس على سرير حديدي في غرفة مكتظة، تحاول أن تستحضر تلك الصور لتخفف من قسوة الواقع. كثير من الأسيرات هنّ أمهات، يزداد وجعهن في هذا الشهر وهن يفكرن بأطفالهن الذين يكبرون بعيداً عن حضنهن. الإحساس بالعجز عن مشاركة الأبناء لحظات رمضانية بسيطة يتحول إلى عبء نفسي ثقيل.
أما العائلة في الخارج، فتعيش رمضان بطعم مختلف. الأم التي تُعدّ الطعام تدرك أن ابنتها ربما تفطر على وجبة باردة أو قليلة. الأب الذي يرفع يديه بالدعاء بعد الأذان، يستحضر صورة ابنته خلف القضبان. الإخوة والأخوات يتركون مقعداً فارغاً على المائدة، شاهداً على الغياب القسري. هذا الغياب لا يكون صامتاً؛ بل يرافقه قلق دائم على صحة الأسيرة وظروفها، خاصة في ظل الأخبار المتكررة عن إجراءات عقابية أو تشديدات داخل السجون.
تتراكم هذه العوامل لتصنع حالة من الضغط النفسي المتبادل: الأسيرة تقلق على أهلها كما يقلقون عليها. قد تحاول أن تبدو قوية في رسائلها أو أثناء زيارات محدودة، تخفف من قلقهم بكلمات مطمئنة، بينما تخفي خلفها معاناة يومية. وفي المقابل، تحاول العائلة أن تُظهر صموداً وثباتاً، حتى لا تزيد من عبئها النفسي.
رمضان، الذي يفترض أن يكون شهراً للرحمة، يتحول في واقع الأسيرات الفلسطينيات إلى اختبار قاسٍ للصبر والثبات. ومع ذلك، تشير كثير من الشهادات إلى أن الأسيرات يحاولن خلق أجواء رمضانية قدر المستطاع: بتزيين بسيط للغرف، أو بتنظيم حلقات ذكر وقراءة قرآن، أو بتقاسم القليل المتاح بينهن بروح جماعية. في هذا التضامن الداخلي، يجدن قوة معنوية تعينهن على مواجهة قسوة الظروف.
تبقى معاناة الأسيرات في رمضان شاهداً على واقع إنساني معقّد، تتداخل فيه السياسة بالحقوق الأساسية، والحرمان المادي بالألم النفسي. وبين جدران السجون، يستمر الصيام لا كعبادة فحسب، بل كرمز لصمود امرأة فلسطينية تصرّ على التمسك بإنسانيتها وكرامتها، حتى في أحلك الظروف.

