السكة – المحطة الدولية
على الرغم من التفوق العسكري الهائل الذي تتمتع به الولايات المتحدة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن هذا التفوق لا يمنح واشنطن حصانة من هجمات قد تُلحق خسائر موجعة، كفيلة بتقويض الدعم الشعبي والسياسي لأي حملة عسكرية. بل إن النجاح سيظل بعيد المنال ما لم يحدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوضوح ما الذي يريد تحقيقه من أي مواجهة محتملة مع طهران.
في ظل الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق في الشرق الأوسط، ومع تلاشي فرص تحقيق اختراق دبلوماسي حقيقي، تتزايد التقديرات بأن ضربة أمريكية ضد إيران قد باتت وشيكة. ورغم إصرار كبار المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو، على أن الدبلوماسية لا تزال الخيار المفضل، فإن تصريحات ترامب الأخيرة تعكس نبرة أكثر تصعيداً.
ففي خطاب حالة الاتحاد، شدد ترامب على أنه لن يسمح “لأكبر راعٍ للإرهاب في العالم” بامتلاك سلاح نووي، مؤكداً أن الجيش الأمريكي هو الأقوى على وجه الأرض، وموجهاً تحذيراً مبطناً بأن الخيارات العسكرية مطروحة على الطاولة.
لا خلاف على أن الجيش الأمريكي يتفوق كمّاً ونوعاً على نظيره الإيراني في أي مواجهة تقليدية مباشرة. غير أن هذا التفوق لا يعني أن الكلفة ستكون محدودة أو أن النتائج مضمونة. فإيران لا تزال قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالقوات الأمريكية، سواء عبر هجمات صاروخية، أو استهداف الأصول العسكرية في المنطقة، أو حتى إغراق سفينة حربية، وهو سيناريو — وإن كان غير مرجح — قد تكون له تداعيات سياسية داخلية خطيرة في الولايات المتحدة.
الأخطر من ذلك، أنه حتى في حال فشل إيران في إحداث اختراق عسكري مؤلم، ستجد واشنطن نفسها في مأزق حقيقي عند محاولة إعلان “النصر”، إذا لم تكن أهداف الحملة محددة منذ البداية. وحتى الآن، لم يقدم ترامب تصوراً واضحاً لماهية النجاح: هل هو شلّ البرنامج النووي الإيراني؟ أم إضعاف القدرات العسكرية؟ أم ردع طويل الأمد؟ أم الذهاب أبعد من ذلك نحو تغيير النظام؟
حملة جوية بلا غزو بري
المؤشرات كافة تدل على أن أي عملية عسكرية أمريكية ستكون جوية في المقام الأول، مع استبعاد شبه كامل لغزو بري. فالإجماع السياسي في واشنطن، بعد تجارب أفغانستان والعراق، يرفض أي التزام طويل الأمد بقوات برية في الشرق الأوسط، كما أن ترامب — الذي بنى خطابه الانتخابي على إنهاء “الحروب التي لا تنتهي” — لا يرغب في نفور قاعدته الشعبية قبل انتخابات التجديد النصفي.
الضربات الجوية الأمريكية ستواجه دفاعات جوية إيرانية يُعتقد أنها ضعيفة ومتهالكة، خاصة بعد أن نجحت إسرائيل، خلال حرب يونيو 2025، في تحييد جزء كبير منها عبر مزيج من الضربات الدقيقة والحرب الإلكترونية. وحتى محاولات إيران إعادة بناء منظومتها الدفاعية، سواء عبر أنظمة محلية الصنع أو صفقات تسليح خارجية، لم تُثبت فعاليتها حتى الآن.
الرد الإيراني: الخطر الحقيقي
لكن التحدي الأخطر لا يكمن في الدفاعات الجوية، بل في قدرة إيران على الرد. فقد أظهرت طهران استعدادها لاستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ضد أهداف أمريكية وإسرائيلية، وسبق أن استهدفت قواعد عسكرية وسفن في المنطقة.
وجود حاملتي طائرات أمريكيتين وعدد كبير من المدمرات في مسرح العمليات يمنح إيران أهدافاً مغرية، حتى لو كان إغراق حاملة طائرات أمريكية مهمة شبه مستحيلة عملياً. ومع ذلك، فإن مجرد إلحاق خسائر بشرية أو مادية كبيرة قد يكون كافياً لإحداث صدمة داخل الرأي العام الأمريكي.
استنزاف الذخائر ومخاطر الحرب الطويلة
إضافة إلى المخاطر العسكرية والسياسية، تواجه واشنطن معضلة استنزاف مخزوناتها من الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية، وهي موارد حيوية لأي صراع طويل الأمد. التجربة الأمريكية الأخيرة في اليمن، وكذلك المخاوف الإسرائيلية خلال حرب يونيو، أظهرت أن الحروب الجوية الممتدة قد تُنهك المخزونات بوتيرة أسرع مما هو متوقع.
وهذا الاستنزاف لا يهدد فقط نجاح أي حملة ضد إيران، بل قد يؤثر أيضاً على جاهزية الولايات المتحدة لمواجهة تحديات استراتيجية أكبر، مثل الصين.
سؤال بلا إجابة: ما هو الهدف؟
في المحصلة، قد يكون الخطر الأكبر على نجاح أي حملة عسكرية أمريكية ضد إيران نابعاً من غموض الرؤية السياسية. فقد أظهرت تجارب سابقة أن العمليات العسكرية ذات الأهداف الواضحة والمحدودة يمكن أن تحقق نتائج سريعة، بينما تؤدي الحملات الفضفاضة إلى استنزاف بلا جدوى.
ترامب أرسل إشارات متناقضة: من حماية المتظاهرين الإيرانيين، إلى وقف البرنامج النووي، إلى التلويح بتغيير النظام. هذا التذبذب يثير تساؤلاً جوهرياً: كيف سيُعرَّف النجاح؟ ومتى يمكن القول إن الحملة انتهت؟
من دون إجابة واضحة على هذا السؤال، قد تجد الولايات المتحدة نفسها، رغم تفوقها العسكري الساحق، عالقة في مواجهة مكلفة، يصعب تبريرها داخلياً، ويستحيل حسمها سياسياً

