السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
في زوايا الحكاية الفلسطينية، ثمّة عائلات لا تُروى قصتها على عجل، لأن الألم فيها متشعّب، متراكم، ومتوارث جيلاً بعد جيل. من بين هذه العائلات، تقف عائلة الأسير الشيخ جمال أبو الهيجا مثالاً حيّاً على المعاناة الممتدة خلف القضبان وخارجها.
الشيخ جمال، الذي تجاوز الستين من عمره، لم يكن اعتقاله حدثاً عابراً في حياة أسرته، بل تحوّل إلى قدرٍ يومي تعيشه العائلة بكل تفاصيله. أصيب خلال ملاحقته، وتعرّض لبتر يده، ليبدأ رحلة قاسية من الألم الجسدي إلى جانب المعاناة النفسية داخل سجون الاحتلال. جسدٌ أنهكته الإصابة، وروحٌ تتكئ على الإيمان، يقاوم بها سنوات الأسر الطويلة، في ظروف صحية صعبة وإهمال طبي متكرر، يزيد من وجعه ولا ينقصه.
لكن مأساة الشيخ جمال لا تتوقف عند حدود زنزانته. فالعائلة بأكملها تكاد تكون خلف القضبان. اليوم، يقبع نجلاه عبد السلام وعاصم في سجون الاحتلال، بينما يُعتقل ابنه عماد لدى السلطة الفلسطينية. أما ابنته بنان، فهي أيضاً أسيرة لدى الاحتلال، لتتحوّل الأمومة لديها إلى اختبار يومي من الصبر الموجع؛ أمٌّ خلف القضبان، وابنةُ أسير، وأختُ أسرى، تعيش الفقد المركّب بكل معانيه. بنان لا تحمل فقط همّ حريتها، بل تحمل قلقها على والدها الجريح، وعلى إخوتها، وعلى طفلها الذي يكبر بعيداً عن حضنها.
ولم تتوقف الفاجعة هنا. فالأسير الشيخ جمال هو ابن شهيد، ووالد شهيد؛ فقد ارتقى نجله حمزة شهيداً، لتزداد شجرة العائلة نزفاً، وكأنها تدفع الثمن جيلاً بعد جيل. بين أبٍ أسيرٍ جريح، وابنٍ شهيد، وأبناءٍ معتقلين، تتشكل صورة عائلة تتقاسم الألم كما يتقاسم الناس أفراحهم.
وفي قلب هذه الحكاية، رحلت زوجته، الأسيرة المحررة أسماء سباعنة، بعد معاناة طويلة مع المرض. رحلت بصمتٍ موجع، دون أن يتمكن زوجها الأسير من إلقاء نظرة الوداع، ودون أن يحتضنها أبناؤها المعتقلون. ماتت الأمّ التي حملت عبء الغياب سنواتٍ طويلة، وحيدةً منكسرة الجسد، كبيرةَ القلب. كان رحيلها فصلاً قاسياً في سيرة هذه الأسرة، إذ لم يُكتب لها أن تجتمع بزوجها وأبنائها في لحظة الوداع الأخيرة.
تبقى الابنة الوحيدة خارج القضبان، ساجدة، شاهدةً على كل هذا الفقد. تعيش اليوم شهر رمضان محرومةً من أبيها وإخوتها وأختها، بعد أن فقدت أمها أيضاً. موائد الإفطار في بيتها لم تعد كما كانت، وصوت الدعاء يعلو ممزوجاً بدمعٍ لا يُرى. رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر العائلة والدفء، تحوّل لديها إلى مساحة فراغ واسعة، تسكنها الصور والذكريات.
قصة عائلة الشيخ جمال أبو الهيجا ليست مجرد حكاية أسرٍ فردي، بل نموذج لمعاناة ممتدة تضرب جذورها في تفاصيل الحياة اليومية. إنها حكاية أبٍ جريحٍ يقاوم في زنزانته، وأمٍّ رحلت حسرة، وأبناءٍ وبناتٍ توزّعتهم السجون، وابنةٍ وحيدة تحرس ما تبقى من البيت.
في هذه العائلة، لا يُقاس الزمن بالسنوات، بل بعدد الزيارات الممنوعة، والرسائل المؤجلة، وأعياد الفطر التي تمرّ بلا لقاء. إنها حكاية ألمٍ صامت، لكنه عميق بما يكفي ليحكي عن شعبٍ باكمله.

