الأحد, أبريل 5, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتالقدس في عين العاصفة: إغلاق الأقصى وتغيير قواعد اللعبة

القدس في عين العاصفة: إغلاق الأقصى وتغيير قواعد اللعبة

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة

في ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية، ومع اندلاع الحرب على إيران، عاد الاحتلال الإسرائيلي ليوظّف ذريعة “الدواعي الأمنية” لتبرير إجراءات قمعية جديدة، كان أبرزها إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلّين. هذا الإغلاق لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع من السياسات الممنهجة التي تستهدف القدس ومقدساتها، حيث تتحول الأحداث الإقليمية إلى فرصة لفرض وقائع جديدة على الأرض، تمسّ جوهر الهوية الدينية والتاريخية للمسجد الأقصى.

إن إغلاق المسجد الأقصى، ولو بشكل مؤقت، يُعدّ سابقة خطيرة، لأنه يمسّ أحد أهمّ الثوابت الدينية لدى المسلمين. فالمسجد الأقصى ليس مجرد مكان عبادة، بل هو رمز عقائدي وحضاري، يشكّل جزءًا من الوعي الجمعي للأمة الإسلامية. وعندما يُمنع المصلّون من الوصول إليه، فإن ذلك لا ينعكس فقط على الشعائر الدينية، بل يطال أيضًا الحياة اليومية في مدينة القدس، التي تعتمد بشكل كبير على الحركة الدينية والسياحية في محيط المسجد.

في مدينة القدس، يخلق هذا الإغلاق حالة من الشلل الجزئي، خصوصًا في البلدة القديمة، حيث تتأثر الحركة التجارية، ويُحرم آلاف المقدسيين من مصدر رزقهم. كما يعمّق هذا القرار شعور العزلة لدى السكان الفلسطينيين، ويزيد من حدة التوتر، في ظل انتشار الحواجز والتشديدات الأمنية التي ترافق مثل هذه الإجراءات.

لكن الأخطر من الإغلاق نفسه، هو ما يرافقه من سياسات تدريجية تهدف إلى فرض واقع جديد داخل المسجد الأقصى. فهذه الإجراءات لا تأتي بمعزل عن محاولات متواصلة لفرض التقسيم الزماني والمكاني، وهو ما يعني تخصيص أوقات أو أماكن محددة لاقتحامات المستوطنين، مقابل تقييد وجود المسلمين. ومع كل إغلاق أو تضييق، تتقدم هذه الفكرة خطوة إضافية نحو التنفيذ الفعلي، مستفيدة من حالة الصمت الدولي والانشغال الإقليمي.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن الاحتلال يعتمد سياسة “الخطوة خطوة”، حيث يبدأ بإجراءات مؤقتة تحت ذريعة الأمن، ثم تتحول هذه الإجراءات إلى واقع دائم. ومن هنا، فإن إغلاق المسجد الأقصى في هذا التوقيت لا يمكن اعتباره إجراءً عابرًا، بل هو جزء من مخطط أوسع لإعادة تشكيل الوضع القائم في المسجد، بما يخدم الرؤية الإسرائيلية.

في المقابل، يبرز دور علماء الأمة كأحد أهم عناصر المواجهة في هذه المرحلة. فالعلماء لا يقتصر دورهم على التنديد والاستنكار، بل يمتد إلى توعية الشعوب بخطورة ما يجري، وربط قضية المسجد الأقصى بعقيدة المسلمين وهويتهم. كما يقع على عاتقهم تحريك الرأي العام، والضغط على صناع القرار في العالم الإسلامي لاتخاذ مواقف أكثر فاعلية، تتجاوز حدود البيانات إلى خطوات عملية.

إن المسجد الأقصى اليوم يواجه مرحلة حساسة، تتطلب تضافر الجهود على المستويات كافة: الشعبية، والإعلامية، والدينية، والسياسية. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل هي أيضًا معركة وعي وإرادة. وكل صمت أو تهاون، يفتح الباب أمام مزيد من الإجراءات التي قد يصعب التراجع عنها مستقبلًا.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى الأمل معقودًا على وعي الأمة ويقظتها، وعلى قدرتها في الدفاع عن مقدساتها، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، الذي سيبقى رمزًا للصمود، مهما اشتدت التحديات.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا