الإثنين, يوليو 13, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالاتالأسيرة الحامل… حين يُسجن جنينٌ قبل أن يرى النور

الأسيرة الحامل… حين يُسجن جنينٌ قبل أن يرى النور

السكة – محطة المقالات – بقلم ثامر سباعنة

ليست معاناة الأسيرة الفلسطينية في سجون الاحتلال مقتصرة على القيود والجدران الحديدية، بل تبلغ ذروتها عندما تكون الأسيرة حاملًا، فتتحول رحلة الأمومة، التي يفترض أن تكون مليئة بالأمل والطمأنينة، إلى تجربة قاسية يختلط فيها الخوف بالألم، والانتظار بالقلق، لتصبح حياة جنينٍ كامل معلقة خلف أبواب الزنازين.

الحمل في أي مكان من العالم يحتاج إلى رعاية صحية متواصلة، وغذاء متوازن، وفحوصات دورية، واستقرار نفسي، لكن الأسيرة الفلسطينية تُحرم في كثير من الحالات من أبسط هذه الحقوق. فهي تعيش في ظروف احتجاز قاسية، وتعاني من نقص الغذاء، ورداءة نوعيته، في وقت يحتاج فيه جسدها إلى عناصر غذائية إضافية لضمان نمو الجنين بصورة سليمة. وتزداد المخاوف مع محدودية الرعاية الطبية، وتأخر نقل الأسيرات إلى المستشفيات عند الحاجة، الأمر الذي يضاعف المخاطر على صحة الأم وجنينها.

ولا تقف المعاناة عند حدود الجسد، فالحمل داخل السجن يفرض عبئًا نفسيًا هائلًا على الأسيرة. فهي تعيش كل يوم وهي تتساءل: هل سيولد طفلي بصحة جيدة؟ هل سأتمكن من احتضانه بحرية؟ وهل سأكون إلى جانبه في لحظاته الأولى؟ إنها أسئلة لا تفارق أي أم تنتظر مولودها، لكنها في السجن تتحول إلى هواجس يومية تفتك بالقلب قبل الجسد.

أما عائلة الأسيرة، فتعيش هي الأخرى حالة من القلق الدائم. فالزوج أو الوالدان والإخوة ينتظرون أي خبر يطمئنهم على الأم والجنين، في ظل صعوبة التواصل، وغياب المعلومات الدقيقة، والقيود المفروضة على الزيارات. وتصبح كل لحظة صمت مصدر خوف، وكل خبر قادم من السجن احتمالًا لمأساة جديدة.

وتشير شهادات العديد من الأسيرات المحررات ومنظمات حقوق الإنسان إلى أن بعض الأسيرات يتعرضن أثناء الاعتقال أو التحقيق أو الاحتجاز لمعاملة قاسية أو مهينة، بما في ذلك التعرض للتفتيش المهين، والحرمان من الراحة، والإهمال الطبي، وفي بعض الحالات استخدام القوة أثناء النقل أو المداهمات. وإذا كانت هذه الممارسات تمثل انتهاكًا بحق أي أسير، فإن خطورتها تتضاعف عندما تكون الضحية امرأة حامل، لأن أي اعتداء أو ضغط نفسي شديد قد ينعكس مباشرة على حياة الجنين وصحته.

ويبقى السؤال الأكثر إيلامًا: ما مصير الجنين الذي يبدأ حياته داخل أسوار السجن؟ فالطفل، الذي لم يرتكب ذنبًا، يجد نفسه يدفع ثمن واقع لم يختره. وتؤكد المواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ضرورة توفير حماية خاصة للنساء الحوامل المحتجزات، وضمان الرعاية الطبية والغذائية اللازمة لهن، إلا أن المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية تواصل التعبير عن قلقها من الانتهاكات التي تطال الأسيرات، وتطالب بإتاحة الرقابة المستقلة وضمان احترام المعايير الإنسانية.

ورغم المناشدات المتكررة، لا تزال المؤسسات الإنسانية، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مطالبة ببذل مزيد من الجهود لضمان وصول الرعاية الصحية للأسيرات، والضغط من أجل توفير الظروف الإنسانية التي تكفل سلامة الأمهات وأطفالهن، وتفعيل آليات الرقابة الدولية على أوضاع الاحتجاز، بما ينسجم مع القانون الدولي الإنساني.

إن قضية الأسيرات الحوامل ليست قضية نساء خلف القضبان فحسب، بل هي قضية أمومة وطفولة وكرامة إنسانية. فحين تُسلب الأم حقها في الرعاية، ويُحرم الجنين من بيئة آمنة قبل أن يولد، فإن الإنسانية كلها تكون أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بحماية الفئات الأكثر ضعفًا.

ولعل أكثر ما تحتاجه الأسيرة الحامل اليوم ليس التعاطف وحده، بل موقفًا عمليًا يضمن لها حقوقها الأساسية، ويصون حياة جنينها، لأن الطفل الذي لم يرَ النور بعد يستحق أن يبدأ حياته بعيدًا عن الخوف، وبعيدًا عن أسوار السجون.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا