السكة – محطة المقالات – كتب سالم الباني
في السياسة، لا تُقاس الزيارات بعدد الاتفاقيات التي تُوقّع، بل بالرسائل التي تحملها. وبعض الرسائل لا تحتاج إلى كثير من الكلمات، لأنها تكون قد كُتبت على الأرض قبل أن تُقال خلف المنابر.
بهذا المعنى، تأتي زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الولايات المتحدة. فهي ليست محطة في روزنامة الدبلوماسية العراقية، ولا موعداً اعتيادياً بين بغداد وواشنطن، وإنما اختبار لمرحلة جديدة يحاول العراق أن يخرج فيها من عباءة الدولة المنهكة إلى فضاء الدولة القادرة.
لأعوام طويلة، ظل العراق يقدم نفسه إلى العالم باعتباره بلداً يملك الإمكانات، لكنه يفتقد الإرادة؛ دولةً أغناها الله بالثروات وأرهقتها السياسة، وأنهكها فسادٌ لم يترك مؤسسة إلا وأصابها، حتى بدا وكأنه قدرٌ لا يمكن الفكاك منه.
غير أن الأقدار السياسية لا تُغيّرها الأمنيات، وإنما القرارات.
ومنذ توليه المسؤولية، اختار الزيدي أن يبدأ من الملف الذي ظل الأكثر حساسية والأشد خطورة: الفساد. لم يتعامل معه بوصفه شعاراً انتخابياً أو مادةً للاستهلاك الإعلامي، بل باعتباره التهديد الأول لفكرة الدولة نفسها. فجاءت “صولة الفجر” لتعلن أن الاقتراب من شبكات النفوذ لم يعد من المحرمات، وأن الحصانات التي نسجتها السياسة عبر سنوات ليست أقوى من سلطة القانون، متى ما توفرت الإرادة.
قد يختلف المراقبون في تقييم النتائج، لكنهم يكادون يتفقون على أن العراق يشهد لغة سياسية جديدة؛ لغة الأفعال أكثر من الأقوال. وهذه، في عالم السياسة، بداية لا يستهان بها.
ولذلك، لن يكون مستغرباً أن تستقبل الجالية العراقية في الولايات المتحدة هذه الزيارة بكثير من الأمل. فالجاليات لا تبحث عن خطابات عاطفية بقدر ما تبحث عن وطن يمكن أن تفخر بالانتماء إليه، ودولة تستعيد احترامها في عيون العالم، ومؤسسات تجعل العراقي يشعر بأن القانون صار أقوى من النفوذ، وأن الكفاءة بدأت تتقدم على الولاءات.
كما أن اهتمام بعض وسائل الإعلام الأمريكية بعملية “صولة الفجر” لم يكن مردّه الجانب الأمني وحده، بل لأنها قُرئت بوصفها مؤشراً على أن بغداد ربما تكون بصدد إعادة تعريف أولوياتها، وأن الحرب على الفساد بدأت تتحول من وعد سياسي إلى سياسة دولة.

ولعل أكثر ما يلفت انتباه العواصم الغربية هو أن المواجهة مع الفساد لا تبدو معزولة عن المؤسسة القضائية. فحين يعمل القضاء مستقلاً، وتحترم السلطة التنفيذية أحكامه، تتولد الثقة، لا داخل الدولة فقط، بل لدى شركائها أيضاً. والولايات المتحدة، التي قامت تجربتها السياسية على مبدأ الفصل بين السلطات، تدرك جيداً أن الدول لا تُبنى بالخطب، وإنما بمؤسسات يطمئن الناس إلى عدالتها.
لكن الطريق أمام رئيس الوزراء العراقي لن يكون معبداً.
ففي بغداد، لا يخوض الرجل مواجهة مع أفراد، بل مع منظومة كاملة تشكلت عبر سنوات، وتعلمت كيف تحمي امتيازاتها، وكيف تعيد إنتاج نفسها كلما ظن الناس أنها انتهت. ولعل أخطر ما في هذه المنظومة أنها قد تختلف في كل شيء، لكنها كثيراً ما تتفق على مقاومة كل مشروع يهدد مصالحها أو يعيد للدولة مركزها الطبيعي.
وهنا تكمن مسؤولية واشنطن أيضاً.
فالولايات المتحدة، إذا كانت تريد عراقاً مستقراً وقادراً على أن يكون شريكاً حقيقياً، فإن عليها أن تنظر إلى ما هو أبعد من الملفات الأمنية التقليدية. فالدولة التي تنتصر على الفساد، وتعزز استقلال القضاء، وتحصر القوة بيد مؤسساتها الشرعية، هي الدولة الأقدر على حماية مصالحها الوطنية، والأكثر قدرة على بناء علاقات متوازنة مع شركائها.
وليس سراً أن أحد أكثر الملفات تعقيداً في العراق كان ملف السلاح خارج إطار الدولة. وأي تقدم يتحقق في هذا المسار لا يمثل إنجازاً أمنياً فحسب، بل خطوة جوهرية نحو استعادة السيادة وترسيخ هيبة المؤسسات، وهو ما يمنح العلاقات العراقية الأمريكية أرضية أكثر صلابة ووضوحاً.
أما الاقتصاد، فهو الامتحان الذي لا يقبل المجاملة. فلا قيمة لأي إصلاح سياسي إذا بقي المواطن أسيراً للأزمات، ولا معنى لأي حرب على الفساد إذا لم تنعكس على الاستثمار وفرص العمل ومستوى الخدمات. وما أعلنته الحكومة من توجهات اقتصادية يبعث برسائل إيجابية، لكن نجاحها سيبقى رهناً بقدرة الدولة على حماية الإصلاح من مقاومة المنتفعين.
إن علي فالح الزيدي يذهب إلى واشنطن، هذه المرة، حاملاً أكثر من حقيبة سياسية. يحمل معه سؤال العراق الكبير: هل تستطيع دولة أنهكتها الصراعات أن تستعيد عافيتها حين تمتلك قيادة تؤمن بأن القانون هو نقطة البداية؟
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي سيرافق هذه الزيارة. أما الإجابة، فلن تُكتب في بيانات القمة، بل في قدرة العراق على مواصلة الطريق الذي بدأه، مهما اشتدت مقاومة الذين اعتادوا أن تكون الدولة ضعيفة، لأن ضعفها كان مصدر قوته

