السكة – محطة كتاب السكة – كتب عبدالله شقير
إن الانتخابات الأخيرة، التي جرت في جامعة بير زيت، بين الكتل الطلابية المختلفة، تحمل في جعبتها قراءاتٍ لا تبشر بخير، وتوحي بأنّ السلطة الفلسطينية هي هيئة الحكم الذاتي “الوظيفي المحدود” الذي لا يمكن أن يتباه الشعب الفلسطيني لتحقيق مصالحه ككيان له شأن ودولة ، والذي تم تأسيسه بعد أوسلو لحكم غزة ومناطق في الضفة الغربية .
وعندما جاء عام 2006 حمل في طياته انتخابات تلاها نزاع في غزة بين حركتي فتح وحماس ، انحصر نفوذ السلطة بعدها في مناطق معينة من الضفة الغربية فقط دون غزة ، وها هي انتخابات الكتل الطلابية تعطي مؤشرا لا يرجح كفة السلطة الفلسطينية كهيئة يخضع لها أو يقبلها السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني .
وبالنظر الى سياسة هذه السلطة منذ تأسيسها، فإننا لا نجد كيانا متينا لدولة لها مؤسساتها ووزاراتها يستظل بلوائها شعب بأكمله ، ينتظر منها الحماية والرعاية ، كما هو الحال المعهود في الدول المستقلة ذات السيادة ، وكيف لهذه السلطة أن يكون لها كيان مستقل ذو سيادة وطنية وقد نشأت تحت مظلة الاحتلال نشأةً أضعفَتْ مشروع التحرير الفلسطيني ! فقد تشكلت هذه السلطة ضمن شروط إسرائيلية لا تعطيها دورا قياديا فاعلا ، وكلُّ أمرها مرهون بالاتفاق مع هذا الكيان المغتصب ، حيث أن المفاوضات والاتفاقات السياسية تسير في إطار معادلةٍ غير متكافئة ، وبين طرفين هما في الأصل غير متكافئين .
والحقيقة التي تجلت لنا أن هذه النشأة المشوهة لهذه السلطة ذاق مرارتَها الشعبُ الفلسطيني الذي لا يزال يفتقر إلى الدولة التي يحتمي تحت جناحها ، وكيف يكون للفلسطينيين سلطة تحميهم وقد وُجدت هذه السلطة لكسر شوكتهم وتقييد حريتهم وقهرهم في كل صعيد .
ماذا قدمت السلطة الفلسطينية للشعب الفلسطيني غير الذل والهوان؟ ، فلسنا نرى فيها إلا عمالةً مرسومةً في اتفاقٍ سري لا يظهر للعلن ، ولكنّ أفعال السلطة تنبئ عنها ، وتفضح ما يعتريها من ذل وخنوع في مجابهة الاحتلال ، بل ونرى في التنسيق الأمني بينهما ذراعا ذا سطوة شديدة هي أشد على الفلسطينيين من بطش جيش الاحتلال نفسه ، حتى بدأنا نرى كيف ضاق الفلسطينيون بهذا الحال ، بل ونجد منهم من يحمل بين جنبات صدره أمنيات العودة تحت حكم الاحتلال .
إن العيون الناظرة والعقول المتدبرة لسياسة السلطة الفلسطينية تجاه الملفات العالقة لا يبصر بريقا من أمل في أن تحل مسألة واحدة ، فسجون الاحتلال تعج بالأسرى الفلسطينيين والمعتقلين الإداريين منذ سنين ، بل ولقد كان للقرارات التي أمر بها بن غفير منذ شهور مضت للتضييق على الأسرى أثر كبير في زيادة معاناتهم ، فتفشت في كثير منهم الأمراض ومُنعوا من حقهم الإنساني في العلاج ، ولا نرى السلطة في أمر جلل كهذا تحرك ساكنا ، أو تندد بتلك الاجراءات التعسفية إلا ببعض الجُمل التي عهدناها في الشريط الإخباري ، والذي اعتدنا أن نقرأه عند كل حالٍ مشابهة ، وما نحسبه يُنشر إلا بموافقة مسبقة وتنسيق مع الكيان الصهيوني ، حتى لا يغضبَ الصهاينةُ من تصريحاتٍ للسلطة تكون في غير محلها أو غير متفق عليها .
إن الفكر العام الذي يتشكل في أذهان الشعب الفلسطيني والجيل الناشئ لا تشير بوصلته باتجاه السلطة الفلسطينية أبدا ، ومن الملاحظ جدا تضاؤل شعبيتها بين الفلسطينيين ، وعليها أن تعي أن الجيل القادم منصرف عن هذه السلطة التي لا سلطة لها إلا في دق أعناق الشعب الفلسطيني .
لقد تنبه مسؤولون أمنيون إسرائيليون بعد نتائج انتخابات الكتل الطلابية (الذراع الطلابي لحركة حماس) من خطورة هذه النتائج وصدرت منهم تعهدات بدعم السلطة الفلسطينية وتقويتها وتخفيف عجزها المتضخم ، ولا يكون هذا القرار المتسرع إلا لإنقاذ جهة هي متأصلة ومندمجة تماما مع الكيان الصهيوني ، حالُها حالُ باقي مؤسسات الدولة الصهيونية الأخرى ، وإلا فكيف لنا أن نفسر الخنوعَ المستمر والذلَّ الذي طال مداه ، وجرأةَ المستوطنين في الأشهر الأخيرة وهجماتهم المستمرة على الفلسطينيين ، والتي اتخذت منحنى تصاعديا جعلت الاتحاد الأوروبي يعبر عن صدمته مما يحدث في الداخل الفلسطيني دون رادع ، مع نشوء دعوات لحساب ومساءلة المستوطنين المعتدين ، والسلطة حالها كما هو في الذلة الهوان ، لا يد لها و لا لسان ، فهي في الأصل كيان بلا كيان .

