الجمعة, مايو 1, 2026

الأكثر

الرئيسيةمحطة المقالات"أهلا وسهلا بكم في جهنم" .. شهادة الأسير المفرج عنه ثامر سباعنة

“أهلا وسهلا بكم في جهنم” .. شهادة الأسير المفرج عنه ثامر سباعنة

السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة 

 مع تصاعد التهديدات التي انطلقت قبل طوفان الأقصى للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية اليمينية المتطرفة ، وتولي إيتمار بن غفير المتطرف الأكثر إجراماً ونجاسةً لملف السجون والأسرى الفلسطينيون يشهدون العذاب والتنكيل في سجون الاحتلال على أيدي طائفة لا يصح أبدا أن نصنفها أنها من بني البشر ، فقد عانى الأسرى في الضفة الغربية وفي غزة من قسوة العذاب الذي لو أطلقنا العنان لكل قلم سيّال أن يكتب وصفا جامعا لتلك القسوة ولهذا العذاب وما يتخلله من إذلال وامتهان وسب وقذف وانتقاص للدين لقَصُرت كلُّ الأقلام عن مرادها ، ولألقت بين يديها اعتذارها عن عجزها في توصيف حجم الجريمة التي تُرتكب في حق الأسرى في سجون الاحتلال ، ولعل شهادة أسيرٍ مُفرَجٍ عنه تكون أكثر إنصافا لبيان أحوالِ الأسرى بما فيها من ألم وعذاب ومعاناة ، وسنترك بين يديك أخي القارئ شهادة أسيرٍ مفرجٍ عنه هو كاتب موقع السكة الإخباري والمسؤول عن ملف الأسرى ، وعن كل ما يتعلق بهذا الملف من بيانٍ لحال المعتقلين بما فيه من معاناة عنوانها الضرب والتنكيل والتجويع والإذلال والإهمال الطبي وما لا يخطر ببال ، وما يغلّف هذا الملف من تقصيرٍ وإهمال من السلطة الفلسطينية الواهنة المَهينة المكذوبة التي لا تعبأ بالأسرى والمعتقلين ، وتقصير كل المنظمات الإنسانية والحقوقية التي تعلم حقيقة هذا الإجرام داخل سجون الاحتلال ولا تملك القوة الكافية لتكف إيدي هولاء المجرمين عن الأسرى الفلسطينيين المعتقلين بلا تهمة ولا جريرة . إليكم قصة كاتب السكة ثامر سباعنة :

شهادة الأسير المفرج عنه ثامر عبدالغني سباعنة
فلسطين 2024

أنا الأسير المفرج عنه ثامر عبدالغني فايق سباعنة حامل هوية رقم 900440455 والمعتقل يوم 22-7-2023 والمفرج عنه يوم 19-11-2024 .

أحاول أن أسجل شهادتي على ما جرى معنا كأسرى في سجون الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023 .

والآن وبعد أكثر من عشرة أيام من الإفراج عنا من سجون الاحتلال لم أستطع الخروج من دائرة الاعتقال ولم يستطع عقلي أن يحذف تلك المشاهد الموجعة التي عشتها هناك في الأسر ، لم تستطع أذناي أن تنسى صوت زملائي الأسرى وهم يتوجعون ويتألمون بل ويبكون من قسوة ضربات السجانين .

في شبابي كنت أتساءل عن معنى مصطلح ” قهر الرجال” والذي كنت أردده في دعائي اليومي ، ولكن وخلال الفترة الممتدة من 7 أكتوبر 2023 إلى 19 تشرين الثاني 2024 عرفت المعنى الحقيقي لقهر الرجال .

بدأت الحكاية مع إغلاق إدارة السجون محطات التلفاز وتشغيل أجهزة التشويش وبذلك عزلت الأسرى عن العالم الخارجي ، وأصبحنا منقطعين عن الأحداث لا نسمع إلا اليسير اليسير من الأخبار ، وأحيانا أخبار غير صحيحة أو غير دقيقة ، والأصعب كان انقطاعنا عن أخبار أهلنا وأحبتنا ، وتفاجأ كثير من الأسرى بمعرفة وفاة أقرباء لهم من الدرجة الأولى وذلك بعد أسابيع بل أشهر من وفاتهم ، وهنا أذكر الأسير يوسف زكارنة (23عاما) من بلدة قباطية والذي كان يشاركني الغرفة وعلم بوفاة أبيه من المحكمة بعد 45 يوم من وفاة الوالد ، وكذلك الأسير غسان الزعبي (48 عاما) من جنين والذي لا زال لا يعلم بوفاة والده ، والذي مضى على وفاته أكثر من ثلاثة شهور  ، وثمة عشرات بل مئات من القصص المماثلة .

ومن الخطوات الأولى لإدارة السجون كان مصادرة كل ما يتعلق بالطبخ في غرف الأسرى لتصبح إدارة السجن هي المتحكمة في طعام الأسرى ليكون ثمةَ شكلٌ آخر من أشكال الظلم والمعاناة بحق الأسرى ، فقد تعمدت إدارة السجون لخفض كميات ونوعيات الطعام المقدم للأسرى ، حتى ظهر ذلك على أشكال وأوزان الأسرى ، فقد فقَدَ الأسرى في سجن النقب ( جنوب فلسطين) وسجن شطة (شمال فلسطين) فقد الأسرى ما معدله 30 كغم من أوزانهم خلال الشهور الستة الأولى من الحرب ، وكنت أنا من بين أسرى النقب وقد أصبح وزني 59 كغم بعد أن كان 93 كغم بداية اعتقالي .

الطعام المقدم كان بكميات قليلة جدا حتى أني أجزم أننا لم نشعر بالشبع طيلة عشرة شهور كاملة ، لم أنم في هذه الشهور ليلة غير جائع ، بل تحول عقلي وتفكيري وعقل وتفكير كل الأسرى – تحول للتفكير بالطعام وأنواع الأكل والبحث عن أفكار واختراعات للتخفيف من الجوع ، فمثلا أُعرّض الخبز للشمس ليجف لعلي أشعر بالشبع ، وأحيانا أبلل الخبز بالماء ، وأحيانا أخلط الخبز بكمية الأرز القليلة المقدمة لنا ، ووصلت بي الأمور إلى أن أأكل الكرتونة الداخلية في لفافة التواليت لعلي أخدع معدتي أن بها شيء ، كذلك لجأت إلى الصيام والامتناع عن الطعام طيلة الثلاثة عشر شهرا وذلك لأتمكن من جمع الثلاث وجبات المقدمة يوميا واجعلها وجبة واحدة وقت المغرب ، كذلك كنت أبدأ الأكل بشرب أكثر من لتر ماء مرة واحدة وذلك لتمتلئ المعدة ويساعد ذلك على الشعور بالشبع .

قلة الطعام هذه واقتصار الطعام المقدم لنا على أنواع محددة آذتنا كأسرى ، فمثلا لم نذق طعم اللحوم الحمراء أو الدجاج أو الفواكه أو السكريات طيلة فترة الحرب ، كل ذلك أدى لشعور الأسرى بالدوخة والتعب والإرهاق وقلة التركيز ، كما خلقت حالة من عدم الاستقرار عند الأسير والخوف على الحياة خاصة أن الطعام أحد العناصر الأساسية للحياة لدى الإنسان ، ولا أبالغ هنا إن قلت أن تفكيري وعقلي بات محصورا في الطعام ، حتى إني توقفت عن  التفكيرفي أهلي وأولادي بل وحريتي وأصبح جل اهتمامي هو الطعام وكيف يمكن أن أخفف من الجوع.

ومن الأسلحة التي استخدمها السجان ضدنا سلاح ” قطع الماء ” إذ عمدت إدارة السجون لقطع الماء عن الأسرى في سجن النقب لأربعة شهور هي شهر 12 من عام 2023 وأشهر يناير وفبراير ومارس من عام 2024 ، حيث كانت إدارة السجن تفتح الماء للأسرى ساعة واحدة فقط في اليوم ؛ ساعة واحدة من الماء لحوالي عشرة إلى أحد عشرأسيرا في الغرفة ، وخلال هذه الساعة مطلوب من الأسرى الاستحمام وتعبئة قناني الماء للشرب علما أنها فقط 3 إلى 4 قناني ؛ أي أن نصيب كل أسير أقل من نصف لتر ماء شرب طيلة 24 ساعة ، وكنا نقسم أنفسنا على الأيام لكي يتمكن كل واحد منا أن يقضي حاجته ، فلا يمكن لنا جميعا أن نقضي حاجتنا خلال الساعة ، وهذا القرار – قطع الماء – أدى لظهور كثير من الأمراض على الأسرى ومنها الاسكابيوس .

كما صادر السجانون كل ملابسنا وأدواتنا حتى أني أمضيت عشرة شهور كاملة بنفس البنطلون والبلوزة والملابس الداخلية ، عشرة شهور وأنا بنفس الملابس ، وطبعا هنا أتكلم عن نفسي وعن كل الأسرى معي في القسم ، وعندما تضايقت من رائحة البنطلون اضطررت للف جسدي ببطانية لأغسل البنطلون وأنتظر أن يجف ، وهذا أيضا ساهم في ظهور الأمراض الجلدية على الأسرى .

أما عن موضوع الإهمال الطبي والحرمان من العلاج فقد كثرت القصص التي تثبت ذلك ، ومنها أن أحد زملائي الأسرى في الغرفة وهو شاب من قرى القدس ويبلغ من العمر 25 عاما أغمي عليه في الغرفة واضطررنا للطرق على باب الغرفة والمطالبة بحضور الممرض أو الطبيب ، وبعد أكثر من نصف ساعة من الطرق والمناداة على الممرض حضرت السجانة ونظرت من فتحة الباب على الشاب المريض وقالت بالحرف الواحد وباللغة العبرية : “لما يموت بتنادوا علي !! “.

وأسير آخر كان معي في نفس الغرفة اسمه زوادي شلالدة من بلدة سعير قضاء الخليل ويبلغ من العمر 65 عاما ويعاني من السكري والضغط ، وكان يحتاج لأخذ إبرة انسولين يوميا ، لذا يضطر السجانون لأخذه يوميا لعيادة السجن ، ولكن كان الأسير زوادي يتعرض للضرب من السجانين كلما خرج لأخذ إبرة الأنسولين مما اضطره للتوقف عن أخذ إبرة الأنسولين رغم حالته الصحية وذلك هربا من الضرب والتعذيب اليومي الذي كان يناله من السجانين وهو في طريقه للعيادة وأثناء عودته منها .

أما الأسير أحمد أبو رزق من نابلس ويبلغ من العمر 40 عاما فقد أمضى أكثر من 40 يوما يعاني من وجع في أسنانه دون تقديم أي علاج له ، وعند عرضه على المحكمة طلب أحمد من القاضي أن يتم توفير علاج لأسنانه ، وبالفعل وفي اليوم الثاني تم نقل أحمد إلى عيادة الأسنان ليفاجأ بأن الدكتور يريد خلع طاحونته دون استخدام إي نوع من البنج أو المسكن مم اضطر أحمد للتوقيع على ورقة تنازل عن العلاج .

الاسكابيوس .. معاناة من نوع آخر

تراكمت الأسباب التي أدت إلى ظهور وانتشار مرض الاسكابيوس (Askabyus) ، فمن قطع الماء عن الأسرى إلى مصادرة كل ملابس الأسرى والإبقاء على الملابس التي يرتديها الأسير ، مرورا بعدم توزيع مواد التنظيف ومصادرة غسالات الملابس كل ذلك ساهم في ظهور المرض ، ثم ساهمت إجراءات السجانين بنشر المرض ، فقد تعمد السجانون نقل الأسرى المصابين إلى غرف أسرى غير مصابين ، كما وزعوا أغطية وفرشات المصابين لأسرى سليمين ، إضافة لعدم توزيع العلاجات ، كل ذلك أدى إلى تطور المرض وانتشاره بشكل واسع وصل إلى حوالي 75% من أسرى النقب ، وتطور المرض حتى أصبح يسبب تكوّن دمامل كبيرة تنفجر وتُخرج الدم والقيح وتسبب للمصاب آلاما شديدة وصلت بالمصاب ان لا يستطيع الحركة أو استخدام يديه .

شتاء 2023 في سجن النقب

بالرغم من إني من عشاق فصل الشتاء إلا أن شتاء 2023 قد مر علينا ثقيلا موجعا مؤلما في سجن النقب ، فقد أبقت إدارة السجن على حالنا كما هو من حيث الملابس ، أي لم نكن نرتدي سوى الملابس الموجودة على أجسامنا وهي في المجمل ملابس صيفية ( بنطلون وبلوزة) إضافة لعدم توفير أغطية وإبقاء الشبابيك مفتوحة دون وضع زجاج للشبابيك ، ولم تقم إدارة السجن بتوزيع السُّتر أو الأغطية أو ما يساعد الأسير على الشعور بالدفء ، كل ذلك حوّل الشتاء إلى فصل قاسٍ جدا حفر على أجسادنا الوجع والمرض والخوف ، فقد كنت أخشى النوم ليلا حتى لا أموت متجمدا من شدة البرد ، فكنت أبقى طيلة الليل متكورا على نفسي في زاوية البرش (تخت النوم بالسجن) منتظرا استيقاظ زملائي لأنام قليلا ، وبقي هذا حالنا حتى نهاية شهر فبراير من عام 2024 حيث أحضر السجانون بطانية لكل أسير إضافة إلى إغلاق الشبابيك .

ومن الصور المشرقة للأسرى رغم هذا الظرف قيام بعض الأسرى بقص البطانية الخاصة به وإعطاء النصف الآخر من البطانية لأسير آخر أكبر سنا أو مريض .

ومع اقتراب موعد الإفراج عني وزعت إدارة السجن بطانية أخرى لكل أسير وبذلك أصبح لكل أسير بطانيتين وخفف ذلك من آثر البرد القارس ، ولاقتراب موعد الحرية لي قمت بإعطاء أسير كبير السن ومريض يشاركني الزنزانة أعطيته البطانية الثانية وقلت له إني قريبا سأتحرر وأنعم بالدفء في الخارج .

وقبل الإفراج عني بأيام وزع السجانين علينا سُتَر شتوية ، ويومها بسبب تلف جزء كبير من الستر لم أحصل على سترة لي وقلت يومها : لا يهم فانا بإذن الله سأتحرر بعد أيام ، ولكن يوم الإفراج عني وبعد أن خرجت من غرفتي رفض السجان إخراجي من القسم إلا بعد أن أقوم بتسليمه الفرشة والأغطية والسترة ، وفعلا سلمته الفرشة والأغطية وقلت له أني لم أستلم سترة لكنه أصر على تسليمي سترة ، وقلت له أن بإمكانه العودة لأوراقه للتأكد أن لم أستلم سترة لكنه أصر وقال : لن يفرج عنك الا بعد تسليمي سترة ، قلت له : لم آخذ سترة لذا لن أسلم سترة ، قال  : خذ سترة من أي أسير وسلمها لنا ، قلت له : لست على استعداد أن أترك أسير بلا سترة في هذا الجو البارد ، فكان رده علي : عد إلى غرفتك لن يتم الإفراج عنك ، وفعلا تحركت باتجاه باب غرفتي وهنا بدأ الأسرى في غرفهم بالمناداة علي وعرض سترهم عليّ لأسلمها للسجان ليفرج عني ولكني رفضت وقلت لهم : شكرا لكم ، لكني لن أسلم سترة أحدكم وأتركه في البرد .

وعندما وصلت غرفتي عاد السجان وطالبني بالعودة وأخرجني من القسم مستسلما .

قد يتساءل القارئ : لماذا لم تحتجوا على هذا الظلم ؟ لماذا لم تعترضوا على جوعكم وعطشكم ؟
الجواب : من أول أسبوع في الحرب كان كلام ضابط الاستخبارات لنا في سجن النقب : بدكم تضربوا عن الطعام اضربوا ، وراح نترككم تموتوا جوع ، بدكم تحرقوا الغرف والفرشات احرقوا ، واحنا قمنا بإطفاء طفايات الحريق بالغرف وهيك بتموتوا حرق ولن يتعرف عليكم أحد . إضافة إلى أن السجانين كانوا يسارعون لاقتحام غرف الأسرى المحتجين على نوع أو كمية الطعام ، ويقومون بضرب الأسرى بشكل مبرح إضافة إلى النقل إلى الزنازين مكبلي الأيدي والأرجل ، وفوق ذلك القيام بإتلاف الطعام ووضعه بالقمامة دون أي اهتمام بجوع وحاجة الأسرى .

خليط غريب من الخوف والجوع والإذلال والمجهول والحرمان عشناها في الأسر منذ 7 أكتوبر 2023 ، خليط موجع لم نكن نتصور يوما أن نعيشه ، غابت الإنسانية واستخدم السجان كل ما هو متوقع وغير متوقع في حربه ضدنا ، بل وصلت حربه ضد الدين ، فقد مُنعنا من الصلاة وصودر القرآن الكريم ، بل وتعرض القرآن للإهانة والتمزيق والإلقاء من الطوابق العليا على الأرض والوضع في الحمامات بشكل مهين ومستفز ، بل ومُنعنا من صلاة الجمعة والأذان ، وكان السجان يتعمد شتم الله والرسول عليه الصلاة والسلام والقرآن الكريم بشكل مستفز . وتعرض العديد من الأسرى للضرب بسبب رؤيتهم يصلون في الغرف ، وأذكر هنا أنه في شهر 11 + 12 من عام 2023 تعرضت أربع غرف للضرب ( كل غرفة فيها 10 – 11 أسير) في قسم 23 في سجن النقب وذلك لأن السجانة وجدت هذه الغرف تصلي صلاة الفجر ، ومن بين الأسرى المضروبين من كُسرت يده ومنهم من شُجّ رأسه ومنهم من بقي مكبلا بعد ضربه من صلاة الفجر حتى صلاة المغرب دون أن يسمح له حتى بالذهاب لقضاء حاجته .

سُمح لاحقا – وتحديدا في شهر رمضان 2024 – سُمح بالصلاة ، وتم توفير قرآن لكل غرفة ، لكن لا زال للآن ممنوع الأذان وصلاة الجمعة .

الضرب والتعذيب

استخدم السجانون سياسة الضرب والتعذيب ضد الأسرى منذ الأسبوع الأول للحرب ، وتنوعت أشكال الضرب والأدوات المستخدمة بالضرب والتعذيب وذلك حسب السجن وحسب السجان ، ولم يميز السجان بين الأسير المريض والأسير السليم ، ولا الأسير الصغير بالسن من الأسير كبير السن ، بل تعمد ضرب الأسرى كبار السن وإهانتهم بشكل أوسع وأكبر من غيرهم ، إضافة لتعمد ضرب الأسرى المصابين ، حتى أن بعض الأسرى كان يقول للسجان أنه مصاب في مكان محدد أو أن في جسده بلاتين في مكان معين علّ السجان يتجنب ضرب المنطقة المصابة ، لكن على العكس كان السجان يتعمد المناطق المصابة ، كما تعمد السجانون تعرية الأسرى وضربهم عراة وذلك لامتهان كرامة الأسير والسعي لإذلاله ، وأنا من بين الأسرى الذين تعرضوا لذلك ، وقد تم تعريتي بالكامل أكثر من تسع مرات خلال هذه الفترة ، وفي حوالي خمس مرات منها كنت أتعرض للضرب والتعذيب بعد نزع كل ملابسي عني ، وأذكر هنا قصة لا أستطيع أن أنساها رواها لي أحد الأسرى وهو ( ج ج) = عشرة أسرى عراة بالكامل يحبون على ركبهم في غرفة وبشكل دائري وفي وسط الغرفة وقف سجانان اثنان أحدهما يحمل عصا غليظة (عصا طورية) والآخر كيبل كهربا طويل ، وكلا السجانين يضربان الأسرى ويجلدونهم والأسرى يحبون حولهم .

والمشهد الآخر للأسير جلال حامد من سلواد (25) حيث تم تعريته بالكامل وإدخاله إلى غرفة فيها أكثر من ستة سجانين حيث قام السجانون بضربه لأكثر من 20 دقيقة حتى بات الدم ينزف من معظم أعضاء جسده .

ومن الصور المؤلمة في مربع الضرب والتعذيب وجود الأب والابن في نفس الغرفة أو القسم ، أو وجود اخوة مع بعضهم البعض وتعرضهم للضرب أمام بعضهم البعض ، وأذكر هنا الأسير نزيه أبو عون من جبع (60 عاما) وابنه الأسير إسلام نزيه (33 عاما) حيث تواجدا مع بعضهما البعض في نفس القسم في سجن النقب ، وكان كل واحد منهما يسمع صوت وجع وتألم الآخر وقت جولات الضرب ، حتى اضطر الوالد نزيه أبو عون إلى كتم وجعه وألمه حتى لا يسمعه ابنه إسلام .

ووصل الحال بالسجانين القيام بضرب الأسرى المفرج عنهم ، بل وتوجيه وجبات موجعة من الضرب لهم قبل ساعات من نيلهم الحرية .

كما استخدم السجانون الكلاب في جولات الضرب والتعذيب للأسرى .

من جولات الضرب والتعذيب التي تعرضتُ لها وصلتُ لقناعة بأن سماع صوت الضرب وتوجع زملائك الأسرى وسماع صيحات وآهات الأسرى هو أصعب ألف مرة من التعرض المباشر للضرب ، فأنت تموت ألف مرة وأنت تسمع غيرك يتوجع ويتألم ، وتموت ألف مرة وأنت تنتظر دورك في الضرب والتعذيب ، تشعر بالعجز والألم وأنت تسمع توجعهم وأنت لا تملك لهم أي شيء ولا يمكنك تقديم أي مساعدة لهم ، تشعر بالقهر الحقيقي وأنت عاجز عن حمايتهم أو حتى التخفيف عنهم .

وسأتحدث هنا عن جولة من جولات الضرب التي تعرضت لها وكانت في شهر أكتوبر 2023 ، فقد اقتحم السجانون وتحديدا وحدة تسمى وحدة كيتر ( Kaiter ) وهي وحدة خاصة في سجن النقب ، اقتحمت الوحدة غرفتي في قسم 24 حيث أسكن أنا وعشرة أسرى ، تفاجأنا باقتحام الوحدة لغرفتنا وأسرع زملائي بالتكور على أنفسهم في زاوية الغرفة حيث كنا قد اتفقنا سابقا أنه في حال هاجمنا السجانون أن نجتمع كلنا في زاوية الغرفة لنحمي بعضنا بعضا وليتوزع الضرب علينا جميعا وأن نتكور على أنفسنا كوضع الجنين في رحم والدته . وبالفعل تكورت على نفسي بوضع الجنين وأصر السجانون على فتح أرجلي لضربي على أعضائي التناسلية ، وتعرضت للضرب على أضلعي وصدري وبطني وكل جزء من أجزاء جسدي ، وبعد ذلك تم تكبيل قدمي ثم تكبيل يدي للخلف وإجلاسي على ركبي ، وأحضر أحد السجانين الكلب وأطلق له العنان ليقوم بمهاجمتي وفعلا تحرك الكلب باتجاهي وما أن وصل إلي وكان بيني وبينه بضع سنتمترات توقف الكلب ووضع عينيه بعيني وشعرت بصمت يعم المكان ، لا أعرف إن كان الصمت حقيقيا أم أني شعرت به وحدي .. توقف الكلب أمامي ووضع عينيه بعيني ولم يتحرك أي حركة ، حاول السجان أن يحث الكلب على مهاجمتي لكن الكلب صمت ولم يتحرك وبثيت عيناه بعيني وشعرت بأنه قد أشفق علي ولم يقم بمهاجمتي بل ثبت وأبقى عينيه بعيني .

استُفِز السجان وقام بإبعاد الكلب من أمامي وأعاد الضرب لي ثم وضعني على الأرض وتوقف على جسدي لأنظر حولي لأجد كل زملائي قد ناموا على بطونهم وكل أسير منهم يقف فوق جسده سجان من السجانين . وبعد ذلك تم نقلي إلى غرفة أخرى وإجلاسي على ركبي ، وعند تلك اللحظة قام أحد السجانين بركل رأسي وكأنه كرة قدم حتى أني للآن أحمد الله على عدم انفصال رأسي عن جسدي بعد تلك الركلة، وبقيت علامات الضربة على وجهي لأكثر من عشرة أيام .

وبعد إعادتي إلى غرفتي كان قد تم مصادرة حذائي لأبقى لأكثر من 45 يوما دون أي حذاء ، وكنت أتنقل من غرفة لغرفة أو من قسم لقسم في السجن حافي القدمين .

التحرش الجنسي

لم يكتفِ السجانون بكل ما سبق بل امتد ظلمهم وانتقامهم ليصل إلى التحرش الجنسي وتعمد ضرب الأعضاء التناسلية بل والاغتصاب ، وهناك العديد العديد من القصص والشهادات ، وبالرغم من حساسية الموضوع وخاصة أننا نعيش في مجتمع شرقي محافظ إلا أن هناك حوالي 11 إلى 12 أسير قد رفعوا قضايا اغتصاب وتحرش على السجانين في سجن النقب ومنهم الأسير ( ص . أ) من قلقيلية (45 عاما) .

تعمد السجانون ضربنا على أعضائنا التناسلية وفي أكثر من مرة ، وكان بعضهم يقول وبوضوح : أريد أن أقطع نسلك .. أريد أن أمنعك من الخلفة ، وتعددت أشكال الضرب والأدوات المستخدمة ؛ فمن استخدام اليد إلى الركل بالقدم إلى الضرب بالعصي والأدوات الأخرى ، بل وقد قامت السجانات أيضا بتعمد الضرب ولمس الأعضاء التناسلية.

ومن القصص التي جرت معي أو سمعتها :

 1- عند ذهابي لحضور المحكمة في سجن النقب في شهر 7 سنة 2024 – والمحكمة هنا عبر الفيديو كونفرس (VC) وبينما أنا مكبل الأيدي والأرجل وتغطي عيني قطعة قماش تمنعني من رؤية ما حولي ، قام احد السجانين بركلي بقوة بين فخذي ، وكانت الضربة مؤلمة جدا ولكن شاء الله – والحمد لله – أن لا تصل إلى الأعضاء الحساسة.

2 – يوم انتقالي من النقب إلى سجن عوفر في 12-8-2024 قام أفراد وحدة السجون وتحت حجة التفتيش قام أفراد الوحدة بالإمساك بيدي وضربي على القفص الصدري ، وفرد آخر يقف خلفي طلب مني فتح قدماي للتفتيش ثم بدأ بالإمساك بأعضائي التناسلية والضغط عليها بقوة كبيرة مسببا آلام حادة .

3 – بعض الأسرى تعرضوا لوضع أشياء مثل الجزر أو عصي أو مفاتيح في مؤخراتهم .

4 – الأسير (م . ع) من بلدة برقين قضاء جنين (42 عاما) وأثناء جولة من جولات التفتيش في غرفته في سجن النقب قام أحد السجانين بالالتصاق بجسده والالتحام به والاحتكاك بين جسد السجان وجسد الأسير مع إخراج اصوات مستفزة من السجان أثناء ذلك .

ومن الصور المؤلمة صورة استقبال السجانين للأسرى المنقولين إلى سجن النقب ، حيث كان السجانون يقيمون حفلة استقبال لهؤلاء الأسرى ويوجهون لهم أقسى الضربات واللكمات وأقسى أشكال التعذيب وهم يقولون للأسرى ” أهلا وسهلا بكم في جهنم ” .

ملاحظات :

– قيام الأسرى صغار السن بفداء الأسرى المرضى وكبار السن ومحاولة الدفاع عنهم والتعرض للضرب بدلا عنهم .

– كان السجانون يتعمدون وضع طاولة في وسط ساحة القسم في السجن يضعون عليها الأطعمة والشراب ويتعمدون الأكل والشرب أمام الأسرى الجائعين .

– طيلة الثلاثة عشر شهرا لم أتمكن من رؤية وجهي وذلك لمصادرة المرايا من الأقسام والغرف .

– تم مصادرة الساعات والأقلام والراديوهات منذ بداية الحرب .

– بعد أن قررت المحكمة العليا في شهر رمضان السماح للأسرى بالخروج إلى الفورة – الساحة – لمدة ساعة يوميا قررت إدارة سجن النقب أن تضع شروط لهذه الفورة ، مثل :

1 – يجب أن يخرج كل الأسرى بالغرفة للفورة ، ويمنع خروج الأسرى في حال لم يخرج واحد منهم .

2 – ممنوع التوقف عن المشي أو الجلوس طيلة فترة الفورة .

3 – ممنوع الخروج من المربع المرسوم على الأرض .

وطبعا عند الحديث عن أسرى جوعى ، كان بعض الأسرى يشعرون بالدوخة والسقوط بالفورة بسبب الجوع والمشي طيلة الساعة ، وكان رد فعل السجانين هو إدخال بقية الأسرى وضرب الأسير المغمى عليه والملقى على أرض الفورة .

                                                                                                                                       ثامر   5-12-2024

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا