السكة – المحطة العربية
بعد أن قامت بتدمير معظم قدرات الجيش السوري الذي انحلّ إثر سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في الثامن من كانون الأول الماضي، وبعد أن احتلّت المنطقة المنزوعة السلاح في الجنوب السوري، بما فيها من مرتفعات استراتيجية ومنابع مياه عذبة، بدأت إسرائيل مرحلة جديدة من التصعيد في الجنوب، تمهيداً لضمّه، بشكل غير مباشر، إلى «سيادتها» المزعومة، في محاكاة لوضع الضفة الغربية، وذلك عبر مسارات عديدة، بعضها بذريعة «حماية الأقليات»، وبعضها الآخر بسلطة الأمر الواقع التي تقوم بفرضها بالقوة.
ويعني هذا، في حال إتمامه، سلخ ثلاث محافظات (القنيطرة ودرعا والسويداء) عن سوريا، في وقت لا تزال تلتزم فيه الإدارة السورية الجديدة، بقيادة رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، الصمت، بعدما أعلن الرجل مراراً عدم رغبته في خوض أي مواجهة مع الاحتلال، وجنوحه إلى الحلول السياسية، والتي لم تفلح، حتى الآن، سوى في إصدار بعض البيانات الدولية التي تدين التوغل الإسرائيلي.
وفي آخر سلسلة اعتداءات إسرائيلية على سوريا، شنّت قوات الاحتلال اعتداءات جوية، ليل الثلاثاء – الأربعاء، طاولت مواقع متفرقة في درعا ومحافظة ريف دمشق بالتزامن مع توغل للقوات البرية في مناطق عديدة، في وقت أعلن فيه جيش العدو أن طائراته أغارت على أهداف جنوبي سوريا، بينها مقار قيادة ومواقع احتوت على وسائل قتالية.
وطاولت الاعتداءات الجوية كلّاً من تل المانع جنوب غربي دمشق ومنطقة الكسوة، على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب العاصمة دمشق، وتل الحارة شمال غربي بلدة الحارة في ريف درعا، في حين حلّقت بكثافة، وعلى علو منخفض، طائرات عسكرية ومروحية ومُسيّرات في أجواء المنطقة الجنوبية بشكل استعراضي.
تستمر الإدارة السورية الجديدة بتجاهل مخططات الاحتلال، وسط تظاهرات شعبية متفاوتة رفضاً لتلك المخططات
وبالتوازي، تابعت قوات الاحتلال عمليات بناء القواعد العسكرية داخل المنطقة العازلة من جبل الشيخ وصولاً إلى حوض اليرموك، لضمان بقاء طويل الأمد في هذه المناطق.
وانطلق التقدم البري العسكري الإسرائيلي الجديد من محاور عديدة، أهمها من ريف القنيطرة الشمالي في اتجاه قرى عين البيضة وغدير البستان وعين ذكر، ومن ريف درعا نحو قرية البكار، وقامت خلاله قوات الاحتلال بتدمير مقرات عسكرية سابقة للجيش السوري المنحل، قبل أن تنسحب. ويأتي هذا في وقت أعلن فيه وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن هذه الهجمات تأتي «كجزء من السياسة الجديدة التي حدّدناها لتهدئة جنوب سوريا». وتابع أن «الرسالة واضحة: لن نسمح لجنوب سوريا أن يصبح جنوب لبنان، ولن نجازف بأمن مواطنينا»، مشيراً إلى أن «أي محاولة لقوات النظام السوري والمنظمات الإرهابية للتمركز في المنطقة الأمنية ستقابل بالنار»، وفق تعبيره.
وسبق الاعتداءات الإسرائيلية الجديدة، والتي غلب عليها الطابع الاستعراضي – في ظل الدمار الكبير الذي لحق بالقدرات العسكرية السورية بعد انهيار الجيش، وعدم قيام الإدارة الجديدة بأي تحركات عسكرية في الجنوب، باستثناء إرسال أعداد محدودة من قوى الأمن، لم تدخل في أي احتكاك مع قوات الاحتلال -، تصعيد سياسي غير مسبوق، عبر الإعلان عن تدخل إسرائيل لحماية الدروز، والدعوة إلى إقامة نظام فيدرالي في سوريا، وإخلاء الجنوب السوري من أي وجود عسكري.
وجاء ذلك على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي قال «(إننا) لن نتيح لهيئة تحرير الشام، الإرهابية، أو الجيش السوري الجديد دخول المنطقة الواقعة جنوبي دمشق، ونطالب بإزالة كل الأسلحة من القنيطرة ودرعا والسويداء وعدم دخول قوات الحكم الجديد إليها»، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في أراضي جنوب سوريا «في المستقبل المنظور». وأضاف أنه «قبل عام قلت إننا سنغيّر وجه الشرق الأوسط، وهذا ما نقوم به بالفعل».
وبالتوازي مع السيطرة العسكرية، المباشرة وغير المباشرة، على الجنوب السوري، ومع الاعتداءات المستمرة، بدأت قوات الاحتلال توسيع قنوات التواصل مع الأهالي في تلك المناطق، وتقديم مغريات مالية عبر تأمين فرص عمل في الأراضي المحتلة، في مساعٍ لربط اقتصاد الجنوب بسلطات الاحتلال، وتمتين سيطرة الأخير على هذه المنطقة، بشتّى السبل. ويأتي هذا في وقت تستمر فيه الإدارة السورية الجديدة في تجاهل ما يحدث، وسط تظاهرات شعبية متفاوتة في بعض المحافظات السورية رفضاً لمخططات العدو.

