السكة – محطة المقالات- ترجمة عن مجلة نيويوركر
فيما لم تندمل بعد جراح الإسرائيليين من هجوم السابع من أكتوبر، ولم تهدأ مخاوفهم على مصير الرهائن، وبينما تواصل غزة النزيف، يدفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بلاده نحو مزيد من الحرب والانقسام. فبدلًا من تهدئة الساحة، تتسارع خطواته نحو تكريس نظام سلطوي، حسب ما قاله كبير محللي الشؤون الدفاعية في صحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل، الذي رأى أن “هدف نتنياهو الحقيقي بات واضحًا: انزلاق تدريجي نحو نظام استبدادي يضمن بقاءه من خلال حرب دائمة على جبهات متعددة”.
في 18 مارس، وبدعم من إدارة ترامب، استأنفت الطائرات الإسرائيلية قصفها على غزة، ما أسفر عن مقتل مئات، بينهم خمسة قادة بارزين في حماس. في المقابل، ردت حماس والحوثيون في اليمن بإطلاق صواريخ على وسط إسرائيل، وتكثفت العمليات البرية الإسرائيلية في ممر نتساريم، لتقسم غزة من جديد. وترافق ذلك مع قصف من لبنان استهدف بلدة المطلة الإسرائيلية.
الرهائن والتظاهرات: الحكومة في مواجهة الشارع
بررت حكومة نتنياهو التصعيد برفض حماس مقترحات أميركية لتمديد الهدنة مقابل الإفراج عن مزيد من الرهائن، لكن “منتدى عائلات الرهائن والمفقودين” اتهم نتنياهو بـ”الخداع الكامل” و”التخلي” عن أحبائهم، ودعا إلى مظاهرات حاشدة في تل أبيب والقدس شارك فيها أكثر من 100 ألف شخص.
قادة المعارضة من مختلف التوجهات، مثل يائير لبيد ويائير غولان وغادي آيزنكوت، دعوا إلى العصيان المدني، وهددوا بإضرابات واسعة لشلّ الدولة وإنقاذها من “التفكك”.
السلام المؤجل: خطة الإعمار تتعثر
رغم وجود مبادرة عربية لتشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية في غزة، تحظى بدعم إقليمي وغربي وتشمل مشاركة رمزية للسلطة الفلسطينية، إلا أن نتنياهو عرقل كل المسارات المؤدية لحل سياسي دائم، لأنه يرى أن إشراك السلطة الفلسطينية في غزة سيمهد لإقامة دولة فلسطينية.
الخطة التي طرحت في القاهرة كانت واعدة: استثمار أكثر من 50 مليار دولار لإعمار القطاع، ونشر قوات أمن مصرية وأردنية وخليجية، وتفكيك كتائب حماس وتحويلها إلى جهاز أمني تحت إشراف السلطة. لكن نتنياهو يرفض أي إطار يُمكّن الفلسطينيين من حكم أنفسهم.
من صفقة رهائن إلى “صفقة خداع”
في مقابل المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة، اقترح المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف صفقة “مخففة” تنص على إطلاق نصف الرهائن مقابل هدنة لخمسين يومًا، وهو ما يخشى كثيرون أن يتحول إلى مقدمة لاجتياح شامل لغزة و”تخلي نهائي” عن بقية الرهائن. هذه الخطوة اعتُبرت خيانة من قبل عائلات الرهائن ومعظم المجتمع الإسرائيلي.
استبداد ديني بدل الديمقراطية
معارضو نتنياهو، ومنهم محرر “هآرتس” ألوف بن، يرون أن مشروعه لا يتوقف عند الحرب، بل يتعداها إلى فرض “ثيوقراطية دينية” تقوض استقلال القضاء وتحول إسرائيل إلى دولة استبدادية دينية. فقد مرّر قانونًا يمنح حكومته السيطرة على تعيين القضاة، ويدفع باتجاه إغلاق الإعلام العام، ويهدد بعزل المستشارة القضائية للدولة غالي باهراف ميارا بعد تدخلها لوقف إقالة رئيس “الشاباك” رونين بار.
الجيش في قبضة المتدينين
التغييرات في قيادة الجيش والجهاز الأمني أثارت مخاوف من تسييس المؤسسات السيادية. تمّت إقالة بار، أحد مفاوضي الرهائن الرئيسيين، وعُيّن الجنرال إيال زامير رئيسًا للأركان، وهو مقرب من نتنياهو ويمثل التيار الديني القومي المتشدد. وتشير تقارير إلى أن نحو 40% من ضباط المشاة الجدد في الجيش الإسرائيلي ينتمون للتيار الديني القومي.
أزمة اقتصادية وهجرة جماعية
في ظل الحرب، يشهد الاقتصاد الإسرائيلي ركودًا عميقًا، مع انخفاض في الاستثمارات بنسبة 20%، وهجرة أكثر من 80 ألف إسرائيلي في عام 2024 وحده. ورغم ذلك، تضخ الحكومة أكثر من مليار دولار لصالح الأحزاب الدينية والمستوطنات، وتخطط لتقليص رواتب المعلمين والموظفين الحكوميين.
الخلاصة: إسرائيل بين المطرقة والمطرقة
رغم أن الاستطلاعات تظهر أن 70% من الإسرائيليين يحمّلون نتنياهو مسؤولية إخفاقات 7 أكتوبر، إلا أنهم في الوقت نفسه يرفضون قيام دولة فلسطينية، بل يدعم نحو 80% منهم خطة ترامب لنقل سكان غزة إلى الأردن. هذه التناقضات تعكس هشاشة المزاج العام، وخطورة اللحظة التي تمر بها إسرائيل.
نتنياهو، بحسب محللين، لا يسعى إلى الحسم العسكري بقدر ما يستخدم الحرب كأداة لترسيخ سلطته، وإعادة تشكيل إسرائيل على أسس جديدة: أقل ديمقراطية، وأكثر دينية، وأشد عدوانية

