السكة – محطة عرب تكساس
في مشهد يعكس تصاعد استخدام التكنولوجيا في الحملات السياسية العدائية، تصدّر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما موجة من التهديدات والدعوات لسجنه أو إعدامه على خلفية اتهامات بالخيانة وجهتها له إدارة الرئيس دونالد ترامب الحالية، مدعومة بتقارير إعلامية وتصريحات من مدير الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد.
وما زاد من حدة التصعيد هو نشر مقطع فيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي يُظهر اعتقال أوباما، مما أثار عاصفة من الكراهية عبر منصات التواصل اليمينية مثل “تروث سوشيال” و”غاب” و”تلغرام”. ويثير هذا الحدث مخاوف متجددة بشأن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التحريض والتضليل، وما يترتب عليه من عنف سياسي محتمل في بيئة أميركية مستقطبة بشكل غير مسبوق.
التسلسل الزمني للأحداث
- الجمعة 18 يوليو 2025: أصدرت مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد تقريرًا اتهمت فيه إدارة أوباما بتلفيق معلومات استخباراتية بشأن التدخل الروسي في انتخابات عام 2016، زاعمة أن ذلك كان جزءًا من “انقلاب طويل الأمد ضد ترامب”.
- الأحد 20 يوليو 2025: نشر الرئيس ترامب مقطع فيديو على منصة “تروث سوشيال” يُظهر، باستخدام الذكاء الاصطناعي، لحظة مزعومة لاعتقال أوباما وسجنه. الفيديو سرعان ما انتشر بشكل واسع.
- بين 17 و20 يوليو: رصد “المشروع العالمي لمناهضة الكراهية والتطرف” (GPAHE) ارتفاعًا حادًا في التهديدات الإلكترونية ضد أوباما، تركزت بشكل خاص على منصات تروج لخطاب اليمين المتطرف.
التحريض الرقمي وحرية التعبير
رغم أن البيت الأبيض ومكتب مدير الاستخبارات سارعوا إلى إدانة التهديدات والعنف، إلا أن نشر مواد بصرية تُظهر شخصيات سياسية تُعتقل أو تُعدم، حتى لو كانت مزيفة، يعد سابقة خطيرة في استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة دعائية.
ويحذر خبراء من أن مثل هذه الصور والمقاطع قد تؤدي إلى “تطبيع” العنف السياسي أو حتى تحفيز أفراد على ارتكاب أعمال عنف حقيقية، كما حدث في حادثة اقتحام الكونغرس في يناير 2021.
التضليل عبر الذكاء الاصطناعي: أداة جديدة في الحروب السياسية
استخدام فيديوهات مزيفة عبر تقنيات “ديب فيك” ليس جديدًا، لكنه بات أكثر تأثيرًا بفضل الانتشار الواسع وغياب الرقابة الكافية. يرى خبراء أن هذه التكنولوجيا قد تُستخدم قريبًا ليس فقط في التحريض، بل في تزوير الأدلة، وتشويه الحقائق، وخلق روايات سياسية زائفة يصعب تكذيبها.
المشكلة الأكبر أن هذه المقاطع غالبًا ما تنتشر بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الإعلامية والمختصين على دحضها، ما يجعل آثارها على الوعي الجمعي والسياسة خطيرة وطويلة الأمد.
ردود الفعل ومخاطر قادمة
لم تصدر حتى الآن أي مذكرات قانونية أو اتهامات رسمية ضد أوباما، لكن إعلان تولسي غابارد عن نيتها إحالة القضية إلى وزارة العدل يزيد من حدة التوتر. ويرى مراقبون أن هذه الحملة قد تمهد لمزيد من التصعيد السياسي والقانوني في الشهور المقبلة، خصوصًا مع اقتراب موسم الانتخابات النصفية.
في المقابل، لزمت شخصيات ديمقراطية بارزة الصمت أو اكتفت بإشارات مقتضبة، على ما يبدو لتجنب الدخول في صراع مباشر مع إدارة ترامب، ما يعكس حجم الحرج السياسي الذي قد تسببه مثل هذه القضايا.
ما بين الذكاء الاصطناعي والعنف السياسي
تُظهر هذه الحادثة تداخلًا خطيرًا بين التحريض السياسي، وأدوات الذكاء الاصطناعي، والاستقطاب المجتمعي. وبينما يواصل الساسة استخدام هذه الأدوات لتحقيق مكاسب تكتيكية، يدفع المجتمع الأميركي ثمنًا باهظًا يتمثل في تآكل الثقة بالمؤسسات، وتزايد خطر العنف، واتساع الهوة بين مكونات المجتمع.
السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه الآن: هل تملك الديمقراطية الأميركية ما يكفي من أدوات المناعة لمواجهة هذا المدّ الجديد من التضليل والتحريض؟ أم أن المعركة المقبلة ستخاض داخل فضاءات رقمية تقرر مصيرها الخوارزميات لا صناديق الاقتراع

