السكة – محطة المقالات- كتب طارق حبش | ترجمة
مع إقرار قانون “الوكالة الجميلة الكبرى” (Big Beautiful Bill)، تدخل الولايات المتحدة مرحلة جديدة في بنية أجهزتها الأمنية، حيث خصص أكثر من 165 مليار دولار على مدى خمس سنوات لدعم وكالة الهجرة والجمارك (ICE)، مع خطط لتوظيف 10 آلاف عنصر جديد، لتصبح بذلك أضخم وكالة لإنفاذ القانون على مستوى الحكومة الفيدرالية، متجاوزة في ميزانيتها المجمعة كافة وكالات الأمن الأخرى، بل وتتخطى ميزانيات جيوش العديد من الدول حول العالم.
لكن هذا التصعيد لا يهدف إلى إدارة الحدود فحسب. فالواقع أن هذه الخطوة تمثل استثمارًا أوليًا في بناء قوة أمنية ذات طابع سلطوي، تستلهم نموذجها من أنظمة السيطرة والاحتلال، وتحديدًا من التجربة الإسرائيلية في التعامل مع الفلسطينيين.
فلسطين: مختبر القمع المعولم
هذا النموذج من الانتهاك المنظم للحقوق، هو الواقع اليومي للفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث تحكمهم قوانين الاحتلال الإسرائيلي الذي يصادر كراماتهم وحرياتهم. الأمر لا يتعلق باستثناء، بل بقاعدة ثابتة؛ جيش الاحتلال هو من يقرر من ينام ليلًا في بيته، ومن تُدمر حياته فجأة ودون مبرر.
ما يظنه الأميركيون بعيدًا أو مستحيل الحدوث على أراضيهم، بدأ بالفعل يتجسد:
- طلاب جامعيون اختُطفوا من الشوارع بسبب مقالات رأي.
- رجال على وشك أن يصبحوا آباء، اعتُقلوا بسبب آرائهم السياسية.
- مقيمون دائمون قانونيًا يُحتجزون دون تهم في مراكز ICE.
هذا هو مآل الطريق الذي تسلكه أميركا حاليًا. إذ أن الرئيس دونالد ترامب يعلن صراحة رغبته في إلغاء الحق الدستوري بالمواطنة بالولادة، وفي إعادة تعريف من يُسمح له بأن يكون أميركيًا، وفقًا للهوية السياسية والانتماء الثقافي. كل ذلك في ظل استهانة متكررة بالقانون والحقوق المدنية.
ICE على خُطى الاحتلال الإسرائيلي
ما يعيشه الفلسطينيون من:
- مداهمات ليلية مفاجئة،
- اعتقالات تعسفية دون تهم تستمر لسنوات تحت ذريعة “الاعتقال الإداري”،
- مصادرة الحياة المدنية لصالح الأمن والعسكر…
… بات يتكرر في نمط عمليات ICE داخل أميركا. وإن كان هذا التشابه صادمًا، فهو ليس مصادفة، بل نتيجة تعاون وثيق يمتد لعقود بين الأجهزة الأمنية الأميركية ونظيرتها الإسرائيلية.
فمنذ عام 2003، أنشأت وزارة الأمن الداخلي الأميركية مكتبًا دائمًا في إسرائيل لتنسيق التعاون الأمني. ومنذ ذلك الحين، شارك ضباط من ICE في برامج تدريبية على يد قوات الأمن الإسرائيلية، بتنظيم من مؤسسات مثل:
- رابطة مكافحة التشهير (ADL) عبر “ندوة مكافحة الإرهاب الوطنية”،
- ومعهد الأمن القومي اليهودي لأميركا (JINSA)، الذي نظّم تدريبات تلقّى فيها ضباط أميركيون تعليمهم من عناصر وحدات إسرائيلية مثل “يمام”، المتورطة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وفقًا لتقارير أممية.
تكنولوجيا الاحتلال على الأراضي الأميركية
التعاون لا يقف عند حدود التدريب، بل يمتد إلى التكنولوجيا. فالأدوات المستخدمة في قمع الفلسطينيين أصبحت تُستخدم اليوم داخل الولايات المتحدة:
- شركة “إلبِت” الإسرائيلية هي المورّد الأساسي لرادارات المراقبة على الحدود مع المكسيك.
- شركة “باراغون” المتخصصة في برامج التجسس، والتي ارتبط اسمها بانتهاكات للخصوصية، تعاقدت معها ICE مباشرة.
- برنامج “بيرد” للتعاون الأمني الثنائي، الذي تأسس عام 2015 بين وزارة الأمن الداخلي الأميركية ووزارة الأمن القومي الإسرائيلية، موّل مشروعات تشمل:
- أنظمة المراقبة المتقدمة،
- التحكم في الطائرات المسيّرة،
- تقنيات كشف التهديدات.
ويجري حاليًا الدفع بمشروعين قانونيين (H.R.1229/S.554) في الكونغرس، بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وبضغط من اللوبي المؤيد لإسرائيل (AIPAC)، لتوسيع التعاون التكنولوجي والاستخباراتي مع إسرائيل.
تحذير من أرض محتلة
بالنسبة للفلسطينيين، لا جدال: اضطهاد شعب بالكامل لا يمكن أن يكون مقبولًا في أي نظام يدّعي الديمقراطية.
لكن التجربة الفلسطينية اليوم لا تُروى فقط كقصة ظلم محلي، بل كمخطط عالمي قابل للتكرار.
الأسوار، وأجهزة التجسس، والتشريعات المقيدة للحرية، كلها أدوات اختُبرت على الفلسطينيين، ويجري تصديرها الآن إلى مدن أميركية.
لا تصرف نظرك. لأن العالم الذي نقبله على غيرنا، هو العالم الذي سنضطر لاحقًا إلى أن نحيا فيه بأنفسنا.
عن الكاتب:
طارق حبش هو كاتب وناشط فلسطيني أميركي، وأحد مؤسسي منظمة “سياسات جديدة” (A New Policy). استقال علنًا من منصبه كمُعيّن سياسي في إدارة بايدن، احتجاجًا على سياسات الإدارة تجاه غزة ودعمها غير المشروط للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين

