السكة – المحطة الثقافية – كتب المحرر الثقافي
ليست قصة هند رجاب مجرد حكاية طفلة فلسطينية واجهت الموت وحيدة داخل سيارة اخترقها الرصاص. إنها قصة جيل كامل يعيش طفولته بين الركام، ويكتب ذكرياته بدمه قبل أن يتمكّن من رسمها بأقلامه.
في غزة، لم تعد الطفولة عالماً من اللعب والأحلام، بل تحولت إلى ساحة مواجهة مع الدبابات والطائرات. ومع ذلك، فإن صوت هند – الضعيف والمرتعش – استطاع أن يدوّي في قاعات مهرجان فينيسيا، ليذكّر العالم أن تحت الأنقاض هناك أطفال لا يزالون يصرخون طلباً للحياة.
هند لم تكن ضحية وحسب، بل صارت رمزاً وذاكرة، وصرخة وجدان عالمي لا يجوز أن تُخمد.
تصفيق لم يتوقف
في صالة مهرجان فينيسيا السينمائي، حلّ صمت ثقيل عقب انتهاء العرض. دقائق مرت قبل أن ينفجر الحضور بتصفيق متواصل دام 23 دقيقة، وهو من أطول التصفيقات في تاريخ المهرجان. كثيرون بكوا، وآخرون اكتفوا بالوقوف مذهولين أمام حجم الألم الذي حملته شاشة السينما. الفيلم الذي أبكى الجميع كان بعنوان “صوت هند رجاب”، يروي حكاية طفلة فلسطينية عمرها خمس سنوات، صارت رمزاً للبراءة التي أُعدمت تحت نيران الحرب.
الحكاية التي هزّت الضمير
في يناير/كانون الثاني 2024، حاولت هند مغادرة غزة مع عائلتها، بحثاً عن ملاذ من القصف. جلس عمها وزوجته وأطفالهم الثلاثة إلى جانبها في السيارة. لكن قذائف الدبابات الإسرائيلية حولت الرحلة القصيرة إلى مجزرة، قُتل فيها الجميع باستثناء هند وأحد أبناء عمومتها.
داخل السيارة المثقوبة بالرصاص، والتي ستُكتشف لاحقاً وقد اخترقتها أكثر من 300 طلقة، أمسكت هند الهاتف واتصلت بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. بصوت مرتعش، قالت إنها محاصرة بين الجثث وتريد من ينقذها. العالم كله سمع التسجيل الصوتي، الذي تحول إلى شاهد حي على فظاعة ما جرى.
لكن حتى صوت الطفلة لم يشفع لها. الدبابات الإسرائيلية أطلقت النار مجدداً، لتقتل هند مع المسعفين الذين خاطروا بحياتهم لإنقاذها.
من غزة إلى فينيسيا
الفيلم الذي أخرجه فريق دولي استند إلى شهادات عائلة الطفلة وفرق الإسعاف، إضافة إلى الصور والاتصالات المسجلة، ليعيد رسم اللحظة كما عاشتها هند: طفلة وحيدة وسط عالمٍ يغرق في الدم.
“كنا نبكي ونحن نصوّر”، قال أحد أفراد الطاقم بعد العرض، قبل أن يضيف: “لكن كان علينا أن نوصل صوتها. هند لم تُقتل فقط، بل أرادت أن يظل صوتها حياً”.
إرث هند
قصة الطفلة لم تتوقف عند حدود غزة. فقد أصبحت رمزاً طلابياً وحقوقياً حول العالم. في جامعة كولومبيا الأميركية، أعاد الطلاب تسمية مبنى “هاميلتون هول” ليصبح “قاعة هند”، في إشارة إلى أن صوتها لن يُمحى، وأن العالم مطالب بمساءلة نفسه أمام دموع طفلة لم تطلب سوى النجاة.
السينما كجدار ذاكرة
“صوت هند رجاب” ليس مجرد فيلم، بل وثيقة إنسانية تقاوم النسيان. في قاعة فينيسيا، تماهى المشاهدون مع اللحظة وكأنهم جلسوا إلى جوار هند في السيارة. البعض بكى بحرقة، وآخرون غادروا الصالة بصمت مطبق، وكأنهم يحملون ذنب العالم كله على أكتافهم

