السكة – محطة المقالات
حين خرج زوهران ممداني ليحيّي أنصاره بعد فوزه المفاجئ على أندرو كومو في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي على منصب عمدة نيويورك في يونيو/حزيران الماضي، لم تكن الهتافات تدور حول البراغماتية أو الحلول الوسط، بل حول السكن والعدالة والانتقام من نظام فشل الناس العاديين، على حد وصفه.
قال ممداني (33 عامًا)، وهو اشتراكي ديمقراطي:
“لم تكن هذه مجرد انتخابات تمهيدية، بل استفتاء على انهيار الوضع القائم.”
هذا الفوز لم يكن مجرد مفاجأة محلية، بل يعكس تحولًا سياسيًا أوسع: الناخبون في أنحاء أميركا، من المدن والأرياف ومن مختلف الطبقات، بدأوا يرفضون “الوسطية التكنوقراطية” لصالح قادة يعدون بالمواجهة لا بالمساومة.
أفول الوسطية الأميركية
على مدى عقود، ارتبط مفهوم “الاعتدال” في السياسة الأميركية بالاستقرار. تبنى عهد ريغان في الثمانينيات اقتصاد “العرض”، ثم جاء عهد بيل كلينتون ببراغماتيته المعروفة بـ”الطريق الثالث”: موازنات متوازنة، تجارة حرة، إصلاحات للرعاية الاجتماعية. كان الشعار: قيادة هادئة بيد ثابتة.
لكن الواقع الاقتصادي نسف هذه الرواية سريعًا:
- من 1980 إلى 2020، قفزت حصة أغنى 1% من الأميركيين من 25% إلى نحو 40% من الثروة الوطنية (بيانات الاحتياطي الفيدرالي).
- في المقابل، جُمّدت أجور الطبقة الوسطى والدنيا.
- تكاليف السكن في المدن ارتفعت بأكثر من 300%، متجاوزة معدلات الدخل.
وبحلول 2024، كشف استطلاع “غالوب” أن نسبة الأميركيين الذين يصفون أنفسهم بـ”المعتدلين” انخفضت إلى 34% فقط، بعد أن كانت أكثر من 40% في التسعينيات.
يقول مايك مدريد، المستشار السياسي والمؤسس المشارك لـ”مشروع لنكولن”:
“الاعتدال يعني المساومة، لا الحماسة. الناس فقدوا الثقة بأن هذه الصفقات تغيّر حياتهم. حين يصبح إيجارك ومصاريف جامعتك أكبر من راتبك، فلن ينفعك المصافحة في واشنطن.”
صعود الشعبوية: ترامب وممداني
في انتخابات 2024، بدا واضحًا أن السياسة باتت تُقرأ من خلال عدسة التضخم وتكاليف المعيشة. فقد بلغ التضخم ذروته فوق 9% في 2022، ولا يزال مرتفعًا. وأشار استطلاع (AP-NORC) في يوليو الماضي إلى أن 40% من الأميركيين يرون أن أسعار المواد الغذائية هي أكبر همّهم اليومي.
- على اليمين: جسّد دونالد ترامب هذا التحول منذ 2016، متمردًا على تقاليد حزبه، ودفع بالمعتدلين إلى الهامش. وبحلول منتصف 2025، أظهر استطلاع غالوب أن 77% من الجمهوريين يعرفون أنفسهم بأنهم محافظون، مقابل 18% فقط يصفون أنفسهم بالمعتدلين – أدنى نسبة في تاريخ الحزب.
- على اليسار: جاء فوز ممداني ليؤكد التململ داخل الحزب الديمقراطي. برنامجه الانتخابي لم يكن “حلولًا وسطية”، بل “خطة ثورية”: تجميد الإيجارات، متاجر بقالة مملوكة للمدينة، مواصلات مجانية، وضرائب مرتفعة على الأثرياء.
هزم ممداني الحاكم السابق كومو بفارق 12 نقطة مئوية، جامعًا 56.4% من الأصوات في الجولة النهائية من التصويت التفضيلي، مقابل 43.6% لكومو.
أزمة الديمقراطيين
رغم هذا الانتصار، ظل الحزب الديمقراطي متحفظًا على احتضان ممداني. فحتى أسابيع بعد فوزه، امتنع كبار قادة الحزب في نيويورك عن دعمه علنًا، من بينهم الحاكمة كاثي هوكول، وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، والسيناتور كيرستن جيليبراند، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز.
انتقد جون فافرو، كاتب خطابات أوباما السابق، هذا الموقف قائلاً في بودكاست “بود سيف أميركا”:
“ترامب يحاول إخراج إريك آدامز من السباق لمصلحة كومو، بينما قيادات الحزب الديمقراطي لم تدعم حتى الآن مرشحهم الذي اختاره الناخبون!”
هذا الوضع أعاد الجدل حول مستقبل الحزب. فقد لمح السيناتور بيرني ساندرز إلى أن التقدميين قد يضطرون إلى الترشح كـ”مستقلين” خارج الحزب الديمقراطي إن استمر الوضع على ما هو عليه.
قال ساندرز خلال جولة جماهيرية بعنوان “إيقاف الأوليغارشية” رفقة النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز:
“إذا كان هناك أمل للحزب الديمقراطي، فهو أن يفتح أبوابه للطبقة العاملة. وإذا لم يفعل، فسنرى مرشحين مستقلين في كل أنحاء البلاد.
المصدر ترجمات عن نيوزويك

