السكة – المحطة الفلسطينية – اسرائيليات
لا تقتصر المعركة الدائرة حول الرواية والوعي على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني فحسب، بل تمتد اليوم إلى الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث تتصاعد أصوات الخبراء والمحللين الذين يشككون في الرواية الرسمية التي تروّجها حكومة بنيامين نتنياهو بشأن “الانتصار على حماس”. فبينما يواصل رئيس الحكومة وأذرعه الإعلامية الحديث عن “نصر تاريخي”، يرى عدد من القادة والمراقبين أن ما جرى في غزة لا يمكن وصفه سوى بأنه “تسوية ضرورية” لا ترقى إلى مرتبة النصر.
غيورا آيلاند: “الحديث عن نصر مطلق خداع للذات”
مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق، اللواء احتياط غيورا آيلاند، قال في مقابلة مع إذاعة “راديو الناس” في مدينة الناصرة داخل أراضي 48، إن الاتفاق المرتقب في غزة “ليس انتصارًا مطلقًا كما يروّج له المقربون من نتنياهو، لكنه يمثل خطوة إيجابية ومهمة من عدة نواحٍ، أبرزها استعادة المختطفين وبقاء الجيش في أجزاء من القطاع”.
وأوضح آيلاند أن مصطلح “الانتصار المطلق” مدمّر ومضلِّل، مشدداً على أن “الأمر الأهم هو استعادة المختطفين، وهذا يبدو مضمونًا الآن”. لكنه أشار إلى أن البنود المتعلقة بتفكيك حركة حماس ونزع سلاحها “لن تُنفَّذ فعليًا”، مضيفًا:
“من الناحية النظرية، من المفترض أن تتخلى حماس عن سلاحها في المرحلة الثانية، لكن المجتمع الدولي سيتوقف عن الاهتمام فور إتمام صفقة التبادل، ولن يواصل الضغط أو المتابعة.”
كما شكك آيلاند في واقعية المرحلة الثالثة التي تتحدث عن تشكيل قوة عربية أو دولية لإدارة القطاع، معتبرًا أن “العالم سيتعامل مع الاتفاق كأنه سلام نهائي وسيتخلى عن المتابعة الميدانية”، متوقعًا أن ينتهي الأمر بإسرائيل إلى أحد خيارين: إما استئناف الحرب بحجة عدم تنفيذ الاتفاق، أو القبول بالواقع الجديد مع الاحتفاظ بالسيطرة على مناطق محددة توفر حماية للمستوطنات.
هآرتس: “نصر مطلق لترامب… وهزيمة ناعمة لنتنياهو”
في المقابل، كتب المعلق العسكري في صحيفة هآرتس عاموس هارئيل أن الهجوم الفاشل على الدوحة كان نقطة التحول التي جعلت استسلام نتنياهو للرئيس الأمريكي دونالد ترامب “مسألة وقت”. وأضاف أن الحرب “ورطت إسرائيل في حضيض دبلوماسي غير مسبوق، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الوعي العالمي أكثر من أي وقت مضى”.
واتهم هارئيل نتنياهو بمحاولة تعطيل خطة ترامب خلال الأسابيع الماضية، قائلاً إن “إسرائيل ستحتاج وقتًا طويلًا لهضم التبعات السلبية لهذه الحرب على المجتمع والجيش”.
ويوافقه الرأي زميله تسفي برئيل، الذي كتب أن تحرير الرهائن ليس سوى المرحلة الأولى، مشيرًا إلى أن خطة ترامب “لا تقدم حلولاً لإدارة مدنية مستدامة في غزة، ولا تضمن فعليًا إبعاد حماس عن المشهد”.
أما المحلل السياسي في الصحيفة يوسي فرطر، فذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن “الحرب توقفت فقط لأن ترامب قال كفى”. وأضاف:
“ماكينة نتنياهو الدعائية، أو كما أسميها ماكينة السمّ، تحاول الآن إعادة كتابة التاريخ وتزويره بعد أن أُجبر على التوقيع.”
القناة 12: حماس خسرت الحكم… لكنها كسبت المعركة الرمزية
المحلل حايم ليفنسون من القناة 12 العبرية يرى أن حركة حماس “تفقد الحكم الفعلي في غزة، لكنها حققت أهدافها الأصلية كما حددها يحيى السنوار”، موضحًا أن “القضية الفلسطينية أصبحت اليوم الأهم عالميًا، بينما وجدت إسرائيل نفسها في عزلة سياسية داخل أوروبا الغربية”.
من “شرطي العالم” إلى “رئيس عصابة”
وفي يديعوت أحرونوت، كتب المحلل البارز ناحوم برنياع أن اتفاق شرم الشيخ “ينهي الحرب فعليًا، رغم أن نتنياهو يحاول تصويره كوقفٍ مؤقت لإطلاق النار”، مضيفًا أن “ترامب أملى على إسرائيل صفقة جيدة، لكنها أقل جودة بالنسبة لحكومتها اليمينية”.
أما زميله نداف إيتال فاعتبر أن “القصة لم تكتمل بعد، لكن ترامب – الذي سخر منه كثيرون – نجح في تصحيح الواقع المعوج”، مؤكدًا أن “حماس وإن كانت في محنة بعد تخلي بعض الدول عنها، إلا أنها تراهن الآن على البقاء والتسلح والصبر الطويل”.
من جانبها، تقول الخبيرة الإسرائيلية في الشؤون الأمريكية د. ياعيل إن ترامب “يؤسس لثقافة البلطجة والعربدة السياسية في العالم”، مضيفة أن “تحويل الولايات المتحدة من شرطي إلى رئيس مافيا قد يثمر في الشرق الأوسط، لكنه يشكل خطرًا على الديمقراطية الأمريكية نفسها”.
بين خطاب “النصر الكامل” الذي يروّجه نتنياهو، وتشكيك أبرز المحللين الإسرائيليين بجدواه وصدقيته، يبدو أن إسرائيل تدخل مرحلة جديدة من الارتباك الاستراتيجي والانقسام الداخلي حول نتائج الحرب ومعناها. أما عالميًا، فقد عادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام، لتصبح – للمفارقة – أبرز ما خرجت به حربٌ حاولت إسرائيل من خلالها طيّها من الذاكرة الدولية

