السبت, يونيو 27, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةغزة انتصرت… والإمارات انفجرت بعقدة المقاومة

غزة انتصرت… والإمارات انفجرت بعقدة المقاومة

السكة – محطة المقالات – كتب تأبط نفطاً

في اللحظات التي كانت فيها غزة تُعيد التقاط أنفاسها من تحت الركام، وبينما العالم يودّع فصلًا من أبشع فصول الإبادة في التاريخ الحديث، اختارت أبوظبي أن ترفع صوتها… لا لتواسي، ولا لتنتقد الجريمة، بل لتُعلّق على “سوء إدارة المقاومة لأزمتها”.

لم يكن الأمر سوء تقدير، بل خيارًا سياسيًا مقصودًا: أن تُحوِّل الإعلام إلى سلاح تطبيع ناعم، يتحدث باسم “العقلانية”، ويُعيد تدوير الرواية الإسرائيلية بلكنة عربية متقنة.

لم أعد أتعجب

لم أكن أتصوّر أن وقف حرب الإبادة في غزة سيكشف هذه الدرجة من “الحساسية الوطنية” في بعض العواصم العربية، لكن الإعلام الإماراتي أثبت أن الحقد أيضًا مورد استراتيجي لا ينضب.

بينما كانت الشاشات العالمية تبثّ صور الأطفال الخارجين من تحت الركام، كانت قنوات أبوظبي تطلق زغاريد الشماتة، كأنها كانت تنتظر لحظة تقول فيها للعالم:

“أرأيتم؟ المقاومة خسرت!”

كأننا لم نرَ جيش الاحتلال يجرّ أذيال الهزيمة، وكأن العالم كله لم يشهد مجازر موثقة حوّلت غزة إلى ملف في محكمة الجنايات الدولية.

“ استطاعت  اسرائيل تدمير  غزة ولكن الحقيقة ان غزة قد دمرت اسرائيل عالمياً وكشفت عورات أهل النفط وعبيدهم من مرتزقة الصحفيين “

لكن لا بأس، فإعلام أبوظبي دائمًا لديه “رؤية مغايرة”، رؤية من فوق برج خليفة، حيث يبدو الاحتلال كـ”شريك سلام”، والمقاومة كـ”عقدة نفسية” تحتاج إلى علاج بالاستثمارات!

من التواطؤ إلى الشماتة

أداء الإعلام الإماراتي خلال الحرب كان دراميًا أكثر من مسلسلات رمضان:

  • يبدأ بـ”قلق عربي”،
  • يمرّ بـ”تفهم للموقف الإسرائيلي”،
  • وينتهي بـ”نقد لاذع للمقاومة” لأنها تجرّأت على الصمود!

وبعد إعلان اتفاق وقف النار، تحوّل القلق إلى هستيريا:

عناوين “سكاي نيوز عربية” تقول إن المقاومة فشلت، ومقالات “العين الإخبارية” تتحدث عن “انتصار إسرائيل الدبلوماسي”، و”24 الإماراتية” تعزف اللحن ذاته: “غزة دفعت الثمن”.

ما لم يقله هؤلاء هو أن إسرائيل دفعت الثمن أيضًا:

صورتها انهارت، وجيشها انكسر، والعالم كله بات يرى الاحتلال على حقيقته…

لكن في استوديوهات أبوظبي، ما زالوا يتحدثون عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” بنفس الحماس الذي يتحدث فيه المعلنون عن عروض السيارات في العيد الوطني.

الصحافيون الفلسطينيون في حضن الرواية الرسمية

أما أكثر مشاهد هذه المهزلة عبثًا، فهي ظهور بعض العبيد من الصحافيين الفلسطينيين العاملين في الإعلام الإماراتي وهم يتحدثون عن “واقعية السلام” و”عبثية المقاومة”، وكأنهم اكتشفوا فجأة أن الوطنية تُقاس بعدد التغريدات المعتدلة!

مشهد يثير الغثيان قبل الضحك:

فلسطيني من مخيمات الشتات واللجوء في العواصم العربية البائسة  يشرح لإسرائيلي في قناة إماراتية أن غزة “أخطأت التقدير”!

يبدو أن بعض الزملاء هناك قرروا أن يعملوا وفق قاعدة جديدة:

“من يريد أن يعيش مرتاحًا في دبي، عليه أن يتحدث كما يشتهي مستشار الأمن القومي الإسرائيلي”.

السلطة الفلسطينية… الحاضر الغائب

لا تكتمل المسرحية من دون ضيف الشرف الدائم: السلطة الفلسطينية.

التي تمارس الانبطاح الدبلوماسي باحتراف، وكأنها تتنافس مع الإعلام الإماراتي على من يقدّم خدمة مجانية أكبر للاحتلال.

الفرق الوحيد أن السلطة تفعلها باسم “الحكمة السياسية”، بينما يفعلها الإعلام الإماراتي باسم “الاعتدال والتسامح”!

ويا ليت التسامح شمل الفلسطينيين الذين دُمّرت بيوتهم، أو المرضى الذين يُمنعون من السفر للعلاج — لكنه تسامح موجّه حصريًا لتل أبيب.

عقدة أبوظبي المزمنة “المقاومة”

الإمارات لم تُدعَ إلى مفاوضات وقف النار، فقررت أن تنتقم إعلاميًا.

ترامب شكر قطر ومصر وتركيا، وتجاهل ذكر الإمارات تمامًا، حتى بالخطأ.

فكان الرد من الإعلام الإماراتي أشبه بردّ طفل حُرم من الحلوى: “أنا أيضًا ساهمت!”

لكن لا أحد صدّق هذه الرواية، لأن الجميع يعرف أن أبوظبي لم تُسهم في شيء سوى التمويل السياسي للمناكفة.

ما تفعله الإمارات اليوم هو محاولة تعويض الفشل السياسي بالجعجعة الإعلامية: كلما سقطت من ملفات الإقليم، رفعت صوتها في نشرات الأخبار.

لكن للأسف، الصراخ لا يصنع نفوذًا، تمامًا كما أن المال لا يشتري الكرامة.

بين الكلمة المباعة وصمت المدفوع

في نهاية المطاف، ما نراه اليوم ليس مجرد “تغطية إعلامية”، بل عرض مسرحي متقن من الانحدار المهني والسياسي، حيث تتحول الكلمة إلى سلعة تُوزع حسب ميزانية الغرفة المضيئة.

بعض المحطات تحوّلت إلى سوق يُباع فيه الصمت ويُشترى فيه الانحياز، فتصبح كل “موضوعية” مجرد رداء توضع على الوقائع لتغطية الفراغ الفعلي في السياسة والتأثير.

ما كان يفترض أن يكون صوت ضمير أو تحليل نزيه، أصبح آلية لإعادة تدوير الروايات التي تبيّض الاحتلال، وتقلّل من إنجازات صمود الفلسطينيين.

في هذا المشهد، كل تقرير خبري أو مقال يتابع النزاع لا يُقاس بعدد الحقائق التي ينقلها، بل بعدد الإيحاءات التي تضمن عدم استفزاز القوى الممولة أو الراعية.

وفي هذا التوازن المزيف، نرى الإعلام يتحوّل إلى نسخة معكوسة من الواقع: صوت الضحية يُخفف، وأي علامة على المقاومة تُصفّر، وكأن الكرامة والتاريخ يمكن شراؤهما أو تأجيرهما بخطاب مُنسّق.

إنها رسالة واضحة لكل من يراقب:

في بعض الأروقة الإعلامية، الكلمة ليست بعد اليوم أداة للحق أو العدالة، بل عملة قابلة للتداول، تُباع وتُشترى على طاولة المصالح، بينما صمود الضحايا يكتب وحده التاريخ

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا