السكة – المحطة الدولية
في الساعات الأولى من فجر 11 أكتوبر، شنّت القوات الأفغانية بقيادة طالبان هجمات على عدد من مواقع الجيش الباكستاني على الحدود الشمالية الغربية، رداً على الغارات الجوية التي نفذتها إسلام آباد داخل الأراضي الأفغانية، بما في ذلك العاصمة كابول الأسبوع الماضي.
ورغم امتناع السلطات الباكستانية عن إصدار تأكيد رسمي، فإن الاشتباكات الحدودية استمرت من ليل السبت حتى ظهر الأحد.
اشتباكات حدودية متصاعدة
استخدمت القوات الباكستانية المدفعية الثقيلة وقاذفات الصواريخ لضرب مواقع طالبان في مناطق أنغور أدا، باجور، كرم، دير، تشترال، وبهرام جاه، في إقليمي خيبر بختونخوا وبلوشستان على طول الحدود مع أفغانستان.
وقال المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، إن 58 جندياً باكستانياً قتلوا مقابل 9 قتلى فقط من الجانب الأفغاني، بينما أصدرت إدارة العلاقات العامة في الجيش الباكستاني (ISPR) بياناً معاكساً قالت فيه إن 23 جندياً قتلوا و29 أصيبوا، زاعمة أنها قضت على نحو 200 “إرهابي من طالبان وحلفائها” ودمرت عدة معسكرات تدريب في ضربات انتقامية.
وأضاف مجاهد أن الاشتباكات توقفت بعد وساطة قطرية وسعودية، في حين لزمت إسلام آباد الصمت.
وفي قمة السلام حول غزة التي عقدت في شرم الشيخ، علّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائلاً إنه بعد إنجاز وقف إطلاق النار في غزة سيتجه إلى تحقيق “سلام دائم في جنوب آسيا”.
وخلال المؤتمر نفسه، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أنه سيعيد ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام، مثنياً على دوره في التهدئة بين الهند وباكستان ووصفه بأنه “القائد الأكثر صدقاً وروعة في العالم”.
الهند تدخل على الخط
تزامنت الاشتباكات مع زيارة رسمية لوزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي إلى نيودلهي، هي الأولى من نوعها منذ استيلاء طالبان على السلطة عام 2021. وخلال الزيارة التي استمرت ثمانية أيام، أجرى متقي محادثات مع نظيره الهندي س. جايشانكار لإحياء العلاقات الدبلوماسية والتجارية.
استغلت الهند التوقيت لتعلن عن إعادة فتح سفارتها في كابول التي كانت مغلقة منذ عودة طالبان إلى الحكم. ووعدت طالبان بألا تُستخدم الأراضي الأفغانية لتهديد المصالح الهندية، في محاولة لطمأنة نيودلهي بعد هجمات سابقة مرتبطة بجماعات مدعومة من باكستان.
وقال المحلل الجيوسياسي الهندي مارك كينرا لـ The Cradle:
“قدّم وزير الخارجية الأفغاني ضمانات أمنية صريحة بأن الأراضي الأفغانية لن تُستخدم ضد الهند، وأدان بشدة هجوم باهالغام.”
وأشار كينرا إلى أن نيودلهي تستعد لتوسيع مشاريعها الإنسانية والطبية والتعليمية والهيدروكهربائية في أفغانستان، مضيفاً أن “انتقال الهند من دعم التحالف الشمالي في التسعينات إلى التعامل مع حكومات كرزاي وغني ثم استقبال وزير خارجية طالبان اليوم، يعكس براغماتية العلاقات الدولية”.
وقد طلبت الهند بالفعل من الأمم المتحدة إعفاءً خاصاً للسفر لوزير الخارجية الطالباني، في إشارة إلى رغبتها في تعزيز العلاقات بين الشعبين.
إسلام آباد لم تُخفِ استياءها؛ إذ أصدرت إدارة العلاقات العامة للجيش الباكستاني بياناً قالت فيه:
“ننظر بقلق إلى هذا التصعيد الكبير الذي تزامن مع زيارة وزير خارجية طالبان إلى الهند، الدولة التي تُعرف بأنها الراعي الأول للإرهاب في المنطقة.”
طالبان تتحدّى راعيها القديم
تحوّلت علاقة باكستان بطالبان من ورقة قوة إلى عبء ثقيل. فالحركة التي كانت يوماً “الابن المدلل” لإسلام آباد، باتت اليوم تهاجم مواقع الجيش الباكستاني عبر حليفها المحلي تحريك طالبان باكستان (TTP)، وهو فصيل بشتوني يرتبط بعلاقات وثيقة مع كابول.
ويقول صحفي الشؤون الأفغانية سناء الله إن “طالبان رفضت كبح جماح تنظيم TTP رغم الضغوط، ما وضع المؤسسة العسكرية الباكستانية في زاوية حرجة”.
ويضيف أن القيادة الباكستانية علّقت آمالاً مفرطة على طالبان، ظناً منها أنها ستتصرف كأداة طيّعة، “لكن تلك التوقعات خابت، وتركت القيادة في حالة غضب وذهول”.
ويرى بعض المحللين أن التصعيد الباكستاني المفاجئ ربما يهدف إلى الضغط على طالبان قبل أي مفاوضات محتملة بين واشنطن وكابول حول قاعدة باغرام الجوية، لكن كينرا يرفض هذا التحليل قائلاً:
“إذا كانت باكستان تفكر بهذا الشكل، فهي لا تفهم طبيعة الأفغان ولا طالبان. لم ولن يتنازل أي أفغاني عن سيادته. باكستان قد تنفذ أوامر أمريكية، أما الأفغان فلن يرضخوا أبداً.”
كابول تحت النار
في 9 أكتوبر، شنّت المقاتلات الباكستانية غارات على إقليم باكتيا وأطراف كابول، رداً على هجوم نفذه تنظيم TTP وأسفر عن مقتل 11 جندياً باكستانياً.
واتهمت طالبان باكستان بانتهاك السيادة الأفغانية ووصفت الهجوم بأنه “عمل عدواني غير مسبوق”.
وشهدت العاصمة كابول انفجارين عنيفين هزّا المدينة ليل الخميس، ما دفع طالبان إلى التهديد بالانتقام.
ولم تكن هذه الحادثة الأولى؛ ففي أبريل 2022، قصفت باكستان ولايتي خوست وكونار ما أدى إلى مقتل 47 مدنياً وإصابة 23 آخرين. وفي ديسمبر 2024، نفّذت ضربة أخرى في باكتيا استهدفت معاقل مفترضة لتنظيم TTP.
وتؤكد إسلام آباد أن قادة التنظيم يتحصنون داخل الأراضي الأفغانية وينفذون هجماتهم من هناك، فيما ارتفعت هجمات TTP بنسبة 79٪ منذ عام 2023.
ومن أبرزها مقتل 11 جندياً في أوركزاي في 7 أكتوبر، وهجوم على أكاديمية الشرطة في ديرة إسماعيل خان في 10 أكتوبر، وكمين في جنوب وزيرستان الشهر الماضي أسفر عن مقتل 12 جندياً.
النتيجة: مشروع باكستاني ارتدّ على صاحبه
تبدو محاولة إسلام آباد إدارة طالبان بالدبلوماسية أو بالقوة محاولة فاشلة تماماً. فالحركة التي رعتها باكستان لعقود أصبحت اليوم خصماً متمرّداً، والنتيجة أن مشروع طالبان الباكستاني عاد لينفجر في وجه صانعيه، بينما تستفيد الهند من الانقسام لإعادة بناء نفوذها داخل أفغانستان

