السكة – المحطة الفلسطينية – كتب تأبط شراً
في الخامس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، لم يكن الفلسطينيون يتجادلون حول نوع الكعكة المناسبة لعيد ميلاد رئيس السلطة محمود عباس؛ فالمناسبة لم تُقرأ أصلاً كعيد ميلاد، بل كإعلانٍ جديد بأن الزمن الفلسطيني متوقف عند ذات النقطة منذ عقدين على الأقل.
وعلى نحوٍ لافت للسخرية المريرة، تزامنت المناسبة مع ذكرى رحيل ياسر عرفات، الرجل الذي كان حضوره السياسي صاخبًا بما يكفي ليجعل المقارنة مع خلفه أشبه بتجربة “قبل وبعد” لكن من النوع الذي يفضّل الناس عدم رؤيته.
تسعون عامًا من العمر… وعشرون عامًا من شلل الحياة السياسية
على منصات التواصل، انفجر التفاعل الشعبي كعادته، لكن ليس بالتهاني.
بل كانت المناسبة فرصة مفتوحة للجمهور لإعادة فرز سنوات حكم عباس:
سنوات بلا صندوق انتخاب واحد، بلا تجديد شرعية، بلا خارطة طريق سوى تلك التي تؤدي إلى مزيد من الانقسام.
منظمة التحرير، التي كانت يومًا ما عمود الهوية الوطنية، ظهرت في تعليقات الناس كمؤسسة تشبه صورة عائلية قديمة: محترمة، لكنها غير مفيدة لأي معاملة رسمية أو مستقبل سياسي.
السلطة التي تحرس الفشل مثلما تُحرس المقاطعة
النقد الشعبي كان واضحًا:
اقتصاد يترنّح، خدمات تزداد سوءًا، فساد يمدّ جذوره بلا خجل، وتنسيق أمني لم تنجح أي حكومة في تسويقه كشكل من أشكال “الحكمة السياسية”.
أما الاستيطان في الضفة الغربية فهو يتمدد بأريحية، كأنه المشروع الوحيد الذي لا يواجه عقبات في “البيئة الاستثمارية” للمنطقة.
وفي غزة، يذكّر الناس بأن السلطة تظهر فقط عندما يدور الحديث عن أموال الإعمار، قبل أن تختفي مجددًا تاركةً وراءها مشهدًا لا يُسمع فيه إلا صوت الطائرات.
ذكرى رحيل عرفات: حضور الغائب… وغياب الحاضر
تزامن ميلاد عباس التسعين مع ذكرى رحيل ياسر عرفات أتاح للجمهور لعبته المفضلة: المقارنة.
فبينما كان عرفات ظاهرة سياسية—بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه—أصبح النقد اليوم يدور حول غياب أي ظاهرة، أو أي سياسة، أو حتى أي حركة تُشير لوجود مشروع وطني يتعدى إدارة الرواتب.
الشارع يرى أن ما تبقى من “إرث المنظمة” أُغلق داخل الأدراج، بينما تُفتح الأدراج الأخرى للقرارات التي تهم الحلقة الضيقة المحيطة بالرئيس.
وسائل التواصل: غرفة عمليات ساخرة
على الإنترنت، احتشد الفلسطينيون في مساحة واحدة: مساحة السخرية السياسية.
صور، منشورات، مقاطع قصيرة، كلها تدور حول الفكرة ذاتها:
أن السلطة تتعامل مع الزمن باعتباره ممتلكًا خاصًا، فيما يتعامل الشعب معه باعتباره خصمًا يُضاف إلى قائمة المتسببين في تدهور الأوضاع.
إحدى أشهر العبارات التي انتشرت كانت:
“عيد ميلاد التسعين: رقم كبير، لكن أكبر منه عدد الوعود غير المنفذّة.”
كأن الزمن توقف يوم غاب أبو عمّار
بالنسبة لكثيرين، يبدو أن الزمن السياسي الفلسطيني توقف مع خروج ياسر عرفات من المشهد.
ليس لأنه كان الحل، بل لأن ما بعده لم يُنتج شيئًا سوى فراغ سياسي كبير يملؤه الاحتلال من جهة، والانقسام من جهة أخرى، والارتجال الإداري من جهة ثالثة.
خلاصة المقال: مشهد بلا نهاية قريبة
في هذا اليوم المزدوج—عيد ميلاد عباس، وذكرى رحيل عرفات—يبدو الفلسطينيون وكأنهم يقفون بين صورتين:
الأولى لزعيم رحل وهو ممسك بمشروع وطني،
والثانية لرئيس يتقدم في العمر بينما يتراجع كل شيء آخر.
يحتفل القصر، ويغضب الشارع، وبينهما تستمر الحكاية نفسها:
حكاية سلطةٍ لم تفشل فقط في تقديم إنجاز، بل نجحت في جعل الفشل يبدو وكأنه واقع ثابت لا يحتاج تفسيرًا.

