السكة – المحطة الدولية
في تطور دراماتيكي يعيد الملف النووي الإيراني إلى أجواء المواجهة المباشرة، أعلنت طهران إسقاط اتفاق القاهرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بعد ما وصفته بـ«خيانة غربية» تمثّلت في تفعيل آلية السناباك من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث (E3).
جاء هذا الانهيار بعد ساعات من تصريح لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي حذّر قبيل زيارته لفرنسا من أن «العلاقات الدولية تواجه أزمات غير مسبوقة بفعل الأحادية المتطرفة، وانتهاكات القانون الدولي المدعومة أميركياً والم tolerated أوروبياً».
من اتفاق قصير العمر إلى انهيار صريح
بعد الهجمات الأميركية – الإسرائيلية على منشآت نووية إيرانية قبل ثلاثة أشهر، لجأت طهران إلى مبادرة دبلوماسية لاحتواء التصعيد، فوقّعت اتفاقاً أمنياً مع الوكالة الدولية في سبتمبر بوساطة مصرية.
لكن هذا الاتفاق كان هشاً؛ إذ حذّرت إيران بوضوح أن عودة مجلس الأمن إلى قراراته القديمة — عبر «السناباك» — ستجعل الاتفاق «لاغياً».
تدهورت العلاقات بسرعة بعد رفض الوكالة ومديرها رافائيل غروسي إدانة الهجمات على المنشآت النووية والعلماء الإيرانيين خلال الحرب الأميركية – الإسرائيلية في يونيو. وقد اعتبرت طهران ذلك انحيازاً فجّاً، واتهمت غروسي بـ«تمهيد الطريق للضربات».
تصعيد تشريعي وسيادي داخل إيران
ردّ البرلمان الإيراني بإقرار قانون يعلّق التعاون مع الوكالة ويعلن غروسي ومفتشيه «أشخاصاً غير مرغوب فيهم»، مانعاً دخولهم البلاد طالما لم تُضمن سلامة المنشآت والعلماء الإيرانيين.
ورغم التقارب الظاهري الذي أحدثه اتفاق القاهرة، والمتشعب في بنوده والغموض في صياغته، بقي التنفيذ مرهوناً بموافقة مجلس الأمن القومي الإيراني «حالةً بحالة»، وفق ما ذكرته وكالة «إرنا».
السناباك يُسقط الاتفاق نهائياً
بعد ثلاثة أيام فقط من التوقيع، حذّرت إيران من أن تفعيل «السناباك» سيُطيح بالاتفاق. وبالفعل، مضت بريطانيا وفرنسا وألمانيا في تفعيل الآلية، ما دفع عراقجي للتصريح بأن الاتفاق «فقد فعاليته».
ورغم استمرار إيران في تعاون محدود، بما في ذلك السماح بجولات تفتيش في نوفمبر، امتنعت عن فتح منشآت مُستهدفة بالقصف مثل فوردو ونطنز وأصفهان. إلا أن الوكالة ردّت بقرار توبيخي جديد في 20 نوفمبر، ما اعتبرته طهران «القشة التي قصمت ظهر البعير».
أعلن عراقجي رسمياً نهاية اتفاق القاهرة، قائلاً إن «الولايات المتحدة والدول الأوروبية قتلت الاتفاق كما قتلت الدبلوماسية في يونيو».
عودة إلى مرحلة المواجهة المفتوحة
يرى مراقبون أن واشنطن والـE3 تريدان الضغط لإجبار إيران على فتح منشآتها المدمّرة وتسليم نحو 400 كغم من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، وهو ما يرفضه الإيرانيون باعتباره «ابتزازاً نووياً».
انهيار الاتفاق يذكّر بالفترة الممتدة بين 2005 و2013 حين أُحيل الملف النووي إلى مجلس الأمن وفرضت عقوبات تحت الفصل السابع. ويخشى بعض المتابعين أن يؤدي التصعيد الحالي إلى سيناريو مشابه، وربما أكثر حدّة.
نحو استراتيجية نووية جديدة؟
وفق «إرنا»، تشعر إيران أن «بوادر حسن النية» التي قدمتها قوبلت بـ«مزيد من العداء»، ما يدفعها لإعادة النظر في استراتيجيتها مع الوكالة والمؤسسات الدولية. ويشير محللون إلى احتمال اعتماد سياسة «الغموض النووي»، بما يشمل الصمت تجاه مصير اليورانيوم عالي التخصيب، وربما تعليقاً غير معلن لمعاهدة عدم الانتشار.
في تطور آخر، دعا أكثر من 70 نائباً إيرانياً إلى مراجعة العقيدة الدفاعية، بما في ذلك الفتوى الدينية التي تحظر السلاح النووي، بحجة أن الظروف الإقليمية تغيّرت بعد الضربات الأميركية – الإسرائيلية.
إيران، في المقابل، تراهن على الفيتو الروسي – الصيني لصد أي محاولة غربية لإحياء العقوبات الأممية.
خلاصة المشهد
يمثل سقوط اتفاق القاهرة منعطفاً حاداً في مسار الدبلوماسية النووية الإيرانية. وبعد سنوات من الوعود الغربية غير المنفذة والتصعيد العسكري، تعتبر طهران أن «تعددية الغرب» فقدت مصداقيتها، وأن مرحلة جديدة — أشد صلابة — بدأت.
المصدر ؛ thecradle.

