الأحد, مايو 10, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةجمهورية الخوف: كيف تُدار حياة النساء السوريّات

جمهورية الخوف: كيف تُدار حياة النساء السوريّات

السكة – المحطة العربية

في سوريا التي خرجت من حربٍ طويلة ودخلت في ظل سلطة جديدة، لا تُقاس المآسي بعدد القتلى ولا بحجم الدمار. المأساة الحقيقية تُقاس بعدد الأصوات التي فُقدت — وبعدد النساء اللواتي يُعاد تشكيل وجودهن من الصفر. اختفاء النساء، في هذه البلاد، لا يبدأ لحظة اختفائهن… بل حين يظهرن مجدداً أمام الكاميرا بوجوه متحجرة، يرددن كلمات ليست كلماتهن، ويقدمن روايات ليست رواياتهن. هنا، في هذا الفراغ، يمكن رؤية الشكل الحقيقي لسوريا الجديدة.

هذه ليست قصة عن أربع فتيات فقط — ميرا، لانا، مايا، أنغام.

إنها قصة عن بلدٍ يختفي فيه الضحايا، ثم تختفي الحقيقة، ثم يختفي معنى الحقيقة نفسه.

1. لحظة الاختفاء — حين يتجمد الزمن

كل واحدة من النساء الأربع اختفت في لحظة تبدو عادية جداً. لحظة لا تحمل أي علامات تحذير، كأن الشر يختار اللحظات الأكثر هدوءاً ليبدأ.

ميرا كانت في طريقها إلى امتحان.

لانا كانت تسير في حيّ راقٍ في اللاذقية.

مايا خرجت من عيادة أسنان.

أنغام كانت تعود إلى منزلها في حمص.

القصص تبدأ بالطريقة نفسها: الباب يُغلق، والوقت يتوقف، والعائلات تبدأ العدّ التنازلي نحو المجهول.

لكن ما لا يقوله أحد بصوت عالٍ هو أن هذه البلاد، منذ سقوط السلطة القديمة، لم تعد تملك مؤسسات تحمي أحداً. الأمن الجديد — بميليشياته وخطابه الديني ومحاكمه المرتجلة — لا يؤمّن الحماية بقدر ما يراقب روايات الناس، ويعيد صياغتها، ويقرر أي القصص يُسمح لها بالوجود.

2. بعد الاختفاء — الدولة تصوغ الحقيقة

في الأسابيع التي تلت اختفاء النساء، ظهر نمط واضح:

لا يوجد تحقيق.

لا توجد عملية بحث.

لا توجد مؤتمرات صحافية.

بدلاً من ذلك، هناك صمت. صمت يوحي بأن شيئاً أكبر يجري خلف الكواليس.

ثم، فجأة، تظهر المرأة المختفية في مقطع مصوّر. نفس الإضاءة. نفس اللغة. نفس الصوت غير الطبيعي في الإجابات. نفس الارتباك الذي يشبه ارتباك طفل يقرأ من بطاقة لا يفهمها.

في فيديو ميرا جلال ثابت، كانت عيناها تقولان كل شيء. كانت تنظر إلى الرجل الذي يعرّف نفسه على أنه “زوجها” بالطريقة التي ينظر بها ناجٍ من حريق إلى الشخص الذي أغلق عليه باب الغرفة.

لكن الصحافي لم يرَ ذلك. أو ربما رآه وقرر تجاوزه.

في سوريا الجديدة، الصحافي ليس شاهداً — إنه جزء من الرواية الرسمية.

أما لانا، فكانت ترتدي الأبيض. الأبيض الذي يشير إلى “النقاء”، إلى “الاختيار”، إلى “الزواج”. كانت تسير إلى جوار رجل غريب، بينما أمها تتوسل في فيديو آخر أن ابنتها اختُطفت.

لم يكن الفيديو مجرد محاولة لتزوير رواية الواقع — كان محاولة لتزوير معنى الأمومة نفسها.

مايا ظهرت في غرفة بلا نوافذ. الرجل خلف الكاميرا يسأل بنبرة لا تشبه الصحافة، بل تشبه المحضر الأمني. تقول إنها بخير. لكن صوتها كان هشاً، كأن مفرداتها نفسها مقطوعة من جذورها.

النمط لا يحتاج إلى خبير ليفهمه.

النساء يظهرن في حالة ذهول. العائلات صامتة أو معتقلة. الروايات متطابقة بشكل مثير للريبة.

في بلدٍ آخر، قد يكون هذا دليلاً على وجود جريمة.

في سوريا الجديدة، يصبح هذا دليلاً على “استقرار”.

3. حين تعود المرأة… ولا تعود

العودة المفاجئة للنساء ليست عودة حقيقية.

فالنساء لا يظهرن كناجيات، بل كـ“ممثلات” في مسرحية مكتوبة سلفاً.

السلطة الجديدة تعرف شيئاً مهماً:

إذا سيطرتَ على أول فيديو يظهر للضحية، فإنك تسيطر على القصة كلها.

لكن الحقيقة أكثر إزعاجاً من السردية الرسمية:

  • النساء يظهرن بكدمات.
  • يتجنبن النظر في الكاميرا.
  • يرتدين ملابس لا يرتدينها عادة.
  • يتحدثن كما لو كنّ يتعلمن لغة جديدة.
  • يقولن جملاً لا تصمد أمام أي تحليل منطقي.

وعندما تحاول العائلات الاعتراض — يُهدَّدون.

وفي بعض الحالات، كما حدث مع والد ميرا، يُهاجمون بالقنابل والرصاص.

الرسالة بسيطة:

الشك في الرواية الرسمية… جريمة.

4. أنغام عيسى — الشر الذي لا يمكن تغطيته

قصة أنغام تمثل اللحظة التي تصدعت فيها الرواية الرسمية أمام العالم الخارجي.

الصورة الأولى التي ظهرت لأنغام لم تكن صورة حيّة. كانت صورة جثة. جثة مُدارة بعناية: كثير من الدم، رأس إلى جانب جسد آخر، ضجيج يزرع فكرة “الموت”.

لكن أنغام كانت ما تزال حية — مغتصبة، مُباعة، مهددة، ومحتجزة لدى رجل نافذ مرتبط بقوات أمن النظام الجديد.

وحين هربت وتحدثت لصحافيين، انهارت الرواية الرسمية كخيمة من ورق في عاصفة.

هنا ظهر ردّ النظام:

اعتقلوا عائلتها.

وضعوهم أمام الكاميرا.

جعلوهم يقولون إنها هربت بإرادتها.

كأن البلد كله يتحول إلى مسرح كبير لا يمكن التمييز فيه بين الدراما والواقع.

5. سوريا الجديدة — بلد تُصنع فيه الذاكرة على طاولة المونتاج

ربما يكون الأمر الأكثر إرعاباً في هذه القصص هو ليس الخطف، بل المحو.

السلطة الجديدة لا تريد فقط السيطرة على النساء؛

تريد السيطرة على القصة نفسها — وعلى كيفية صياغتها وتداولها وأرشفتها في ذاكرة المجتمع.

المقاطع المصوّرة ليست “أدلة نفي”، بل أدوات حكم.

إنها تقول للمجتمع:

“نحن نقرر ما حدث… وليس أنتم.”

وفي بلدٍ يعيش منذ سنوات تحت شبح التفكك، يصبح إنتاج رواية موحدة — حتى لو كانت زائفة — ضرورة وجودية للسلطة.

هكذا تتحول النساء إلى:

  • أجساد تُستغل
  • أصوات تُخمد
  • وجوه تُعاد صياغتها
  • ذاكرة تُزوّر
  • وحقيقة تُلغى

6. النهاية — البلاد التي تأكل رواياتها

لا توجد نهاية لهذا التحقيق.

لأن القصص لا تتوقف.

ولأن النساء اللواتي ظهرن على الكاميرا ما زلن — فعلياً — مفقودات، حتى بعد عودتهن.

فقدن السيطرة على أصواتهن. فقدن القدرة على قول الحقيقة. فقدن حياتهن القديمة.

في سوريا الجديدة، لا تحتاج الدولة إلى إخفاء الجثث.

يكفيها أن تُخفِي الحقيقة.

وما يظلّ مرعباً هو أن هذا النموذج، بجماليته الصارمة وقسوته المنظمة، يبدو وكأنه ليس انحرافاً… بل هو الوجه الحقيقي للسلطة المقبلة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا