السكة – المحطة العربية
على خط التوتر الممتد من بورتسودان إلى الربع الخالي، تحولت حضرموت إلى ساحة اختبار ميدانية لإعادة رسم موازين القوة بين الرياض وأبوظبي. فالوكلاء المحليون لكلتا الدولتين يعيدون هندسة المحافظة عبر القوة والابتزاز الاقتصادي ومسارات التفاوض، لتحويلها إلى مؤشر على الصراع الأوسع حول الموانئ والنفط ومستقبل اليمن.
في ظلّ احتدام التوتر العسكري والهجمات المتكررة حول الحقول النفطية شرق حضرموت، أعلنت قيادة تحالف قبائل حضرموت والسلطة المحلية توقيع اتفاق تهدئة في مدينة المكلا في 3 ديسمبر، برعاية وفد سعودي رفيع ولجنة وساطة تضم شيوخاً وشخصيات اجتماعية بارزة.
ينص الاتفاق على وقف فوري للتصعيد العسكري والأمني والإعلامي، وإعادة تموضع قوات التحالف القبلي على بُعد كيلومتر واحد من شركة بترومسيلة، وانسحاب الوحدات الخاصة لثلاثة كيلومترات، إلى جانب دمج قوات حماية حضرموت بقوات حماية الشركات النفطية تحت قيادة موحّدة لتأمين المنشآت وحماية “الثروة الوطنية”، مع عودة الموظفين إلى أعمالهم واستمرار الإنتاج النفطي دون انقطاع.
جاء هذا عقب أيام من المواجهات في سيئون والمناطق المحيطة، حيث صدّت قوات القبائل محاولات متكررة للقوات المدعومة إماراتياً من المجلس الانتقالي الجنوبي لفرض السيطرة.
ورغم الهدنة الهشّة، لا تزال تشكيلات مسلّحة متعددة الولاءات تجوب المحافظة، ما يبقي مستقبل الهضبة النفطية ومكامن ثروتها على المحك.
◼ تبادل الاتهامات وتبرير التصعيد
تحاول قيادات الانتقالي تصوير العملية العسكرية الأخيرة في وادي حضرموت باعتبارها حملة لتأمين المنطقة من “الإرهاب” المزعوم المرتبط بجماعة الإخوان وقيادات المنطقة العسكرية الأولى. بينما اتهمت وسائل إعلام موالية لحزب الإصلاح الإمارات بدعم عمليات نهب واستهداف انتقامي، مشيرةً إلى “تفاهمات سعودية–إماراتية” لتقاسم النفوذ.
يقول الصحفي والحقوقي ماهر الشامي لـ ذا كريدل إن ما يجري “ليس صراعاً محلياً عابراً، بل امتداد مباشر للمنافسة السعودية–الإماراتية على الأرض والثروة اليمنية”، مضيفاً أن هذه التحركات تهدف لفرض مشروع تقسيم اليمن وإضعاف قدرته على مقاومة الهيمنة.
◼ المعركة على الهضبة النفطية تتدحرج ككرة ثلج
اندلعت مواجهات عنيفة خلال الساعات الأخيرة بين قوات الانتقالي المدعومة بمقاتلين من يافع والضالع للسيطرة على مواقع حساسة تخص شركات طاقة دولية. وفي المقابل، تمكن تحالف القبائل من صدها في عدة نقاط، بينما بسطت قوات الانتقالي سيطرتها على سيئون ومدينة الوادي دون مقاومة تُذكر بعد انسحاب المنطقة العسكرية الأولى.
ومع تصاعد القتال، سارعت السعودية لإرسال وفد أمني وعسكري إلى المكلا بهدف احتواء الموقف، وطرحت مقترحاً لإعادة انتشار القوات يحفظ حضورها الاستراتيجي عبر قوات درع الوطن الموالية لها.
◼ تقاسم نفوذ خلف الكواليس
تكشف مصادر تفاوضية عن تفاهمات سعودية–إماراتية لإعادة توزيع السيطرة بما يضمن نفوذهما معاً، مع إبقاء الدور المحلي في مرتبة ثانوية تمنعه من التحول لقوة مستقلة.
◼ من يحكم حضرموت حقاً؟
تملك المحافظة أهمية استثنائية باعتبارها الأكبر مساحة في اليمن، وتضم أبرز حقول النفط وموانئ استراتيجية. وقد جعلها ذلك محوراً لصراع نفوذ متصاعد بين الرياض وأبوظبي منذ 2016.
اليوم تتوزع السيطرة كالتالي:
- الانتقالي: مدعوم إماراتياً ويسيطر على سيئون ومدن الوادي
- قوات درع الوطن: مدعومة سعودياً وتنتشر في مواقع المنطقة العسكرية الأولى
- تحالف قبائل حضرموت: يتمسك بالحقول النفطية ويدعو لسيادة القرار المحلي
◼ تعيين محافظ جديد يشعل الفتيل
تبدّل المحافظ مؤخراً اعتُبر إشارة سعودية لفرملة التوغّل الإماراتي، فردّت أبوظبي بحشود عسكرية ضخمة من عدة محافظات جنوبية.
ويرى مراقبون أن كل طرف يستغل ساحة حضرموت للضغط على الآخر في ملفات إقليمية أوسع، بينها الصراع في السودان.
◼ حضرموت بين سندان الحلفاء ومطرقة الأطماع
تؤكد شهادات السكان شعوراً متزايداً بأن الصراع فوق أرضهم ليس سوى معركة مصالح خارجية، وأن الثروات المحلية تحولت لسلع تفاوض في لعبة تنافس بين “حليفين” يزدادان خصومة.
النتيجة الواضحة حتى الآن:
- الإمارات وسّعت نفوذها الميداني عبر وكلائها
- السعودية أعادت توازن القوى عبر أدواتها الجديدة
- شعب حضرموت وحده يدفع الثمن
ومع استمرار لعبة “الرقص على رؤوس الثعابين”، يبقى مستقبل المحافظة محكوماً بتجاذبات إقليمية قد تعيد رسم خريطة اليمن بك

