الثلاثاء, أغسطس 4, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الرئيسيةواشنطن لنتنياهو: أضرب ، لكن لا تكسر سلطة عباس

واشنطن لنتنياهو: أضرب ، لكن لا تكسر سلطة عباس

السكة – المحطة الفلسطينية

سرّب موقع «أكسيوس» الأميركي ما قيل إنه تفاصيل «ضغط» مارسته واشنطن على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن سياساته في الضفة الغربية. ضغطٌ من النوع الأميركي المألوف: كثير من الكلام، صفر عواقب، ورسائل محسوبة بعناية لا تُغضب أحداً، خصوصاً الاحتلال.

فالبيت الأبيض، كما يبدو، لا يقلقه الاحتلال ولا الاستيطان ولا عنف المستوطنين، بل يخشى شيئاً واحداً فقط: أن تنهار السلطة الفلسطينية، تلك المؤسسة التي لا تُعامل في واشنطن بوصفها كياناً سياسياً أو ممثلاً لشعب، بل كـ«مقاول أمني» يؤدي وظيفة حيوية في إدارة الصراع… لا حلّه طبعاً.

ومن هذا المنظور الوظيفي البحت، لا ينبع القلق الأميركي من الجرائم الإسرائيلية نفسها، بل من نتائجها المحتملة: ماذا لو تعطلت ماكينة التنسيق الأمني؟ ماذا لو انهارت الأجهزة؟ ماذا لو تحولت الضفة الغربية إلى مساحة بلا حواجز أمنية فلسطينية تسبق الحواجز الإسرائيلية؟ هذا هو الكابوس الحقيقي في واشنطن وتل أبيب.

ويرى مراقبون أن تسريب خبر مناقشة ترامب ومستشاريه «بإسهاب» لسياسات الضفة مع نتنياهو ليس أكثر من رسالة مهذبة تقول: “اهدأ قليلاً… لا تكسر الأداة”. فنتنياهو، بنظر الإدارة الأميركية، لا يُلام لأنه يضغط على الفلسطينيين، بل لأنه يضغط أكثر من اللازم على سلطة بالكاد تتنفس.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، لم تدخر حكومة اليمين المتطرف وسيلة لإضعاف السلطة: حجز أموال المقاصة، تسريع الاستيطان، شرعنة البؤر، تهجير القرى، وإطلاق يد المستوطنين. ورغم ذلك، لم تسقط السلطة بعد، لكنها وصلت إلى الحالة المثالية بنظر واشنطن: سلطة مفلسة، مهترئة، بلا أفق سياسي، لكنها ما زالت قادرة على أداء واجبها الأمني.

من زاوية واشنطن، انهيار هذه السلطة “المنهكة الوظيفية” يحمل ثلاثة مخاطر كبرى. أولها، خسارة شريك التنسيق الأمني الذي يقوم بالمهمة القذرة نيابة عن الاحتلال. ثانيها، تبخر أي وهم بإدارة “اليوم التالي لغزة” أو تسويق مسارات سياسية شكلية. أما الخطر الثالث، فهو تعقيد تسويق اتفاقيات إبراهيم، التي تحتاج إلى فلسطيني صامت ومضبوط أمنياً كي تبدو “سلاماً”.

ولا يخلو التسريب من رسالة موجهة إلى أوروبا، مفادها أن واشنطن “تختلف” مع نتنياهو، حتى لو كان الخلاف محصوراً في اللهجة لا الجوهر. خطاب يسمح بامتصاص الغضب الأوروبي، من دون المساس بالدعم المطلق للاستيطان عملياً.

وفي الواقع، لم يتضمن التسريب أي تهديد حقيقي. مجرد نصائح من قبيل “تجنب الاستفزاز” و”التهدئة”، وهي عبارات تستخدمها واشنطن لإدارة الإيقاع لا لتغيير الاتجاه. والدليل أن ترامب نفسه رفع العقوبات عن مستوطنين إرهابيين، وعيّن مايك هاكابي، أحد أشد المؤمنين بـ“يهودية الضفة”، سفيراً.

أما المفارقة الأوضح، فهي أن هذا “الضغط” الأميركي يخدم نتنياهو داخلياً. إذ يمنحه ورقة يقول بها لشركائه المتطرفين: “أرغب بالمزيد، لكن الأميركيين يضغطون”. وهكذا، يقدّم رفضاً لفظياً لعنف المستوطنين، من دون أن يزعج مستوطناً واحداً أو يفكك بؤرة واحدة.

وعلى الجانب الفلسطيني، تأتي الرسالة أكثر وضوحاً وقسوة: بقاء السلطة مرهون بقدرتها على ضبط الفلسطينيين، لا بتمثيلهم. المطلوب منها أن تمنع المقاومة، لا أن تنهي الاحتلال؛ أن تحارب شعبها، لا أن تحميه؛ وأن تبقى قائمة بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن ما تبقى من كرامتها ووظيفتها الوطنية.

وربط ترامب ملف الضفة بملفات غزة وسوريا وإيران، يعكس نظرة صفقة شاملة، تُستخدم فيها الضفة كورقة أمن إقليمي، لا كقضية شعب واقع تحت الاحتلال. وفي هذه الصفقة، لا مكان لحقوق الفلسطينيين، بل فقط لحسابات “الاستقرار”.

في الخلاصة، لا تريد واشنطن سلطة قوية ولا مستقلة، بل سلطة ضعيفة لكنها موجودة؛ مفلسة لكنها مطيعة؛ عاجزة سياسياً لكنها فعالة أمنياً. سلطة تتلقى الصفعات بصمت، وتؤدي المطلوب منها بدقة.

وهكذا، يصبح التسريب أداة ضبط لا إنذاراً، ورسالة واضحة: بقاء سلطة عباس ليس دعماً للشعب الفلسطيني، بل ضرورة أميركية – إسرائيلية مشتركة… ما دامت تقوم بالدور، فلا بأس إن انهارت من الداخل . 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا