السكة – المحطة الدولية
تجد قبرص نفسها مجددًا في قلب تفاعلات إقليمية معقّدة في شرق المتوسط، بعدما حاول رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توظيف القمة الثلاثية التي جمعته بكل من اليونان وقبرص لتوجيه رسائل سياسية تصعيدية تجاه تركيا، وهو ما أثار امتعاضًا واضحًا في الأوساط الرسمية القبرصية.
وبحسب ما كشفته صحيفة “بوليتيس” القبرصية، فإن نتنياهو سعى إلى تقديم القمة على أنها إطار لتحالف إقليمي في مواجهة أنقرة، في قراءة تتجاوز – من وجهة نظر نيقوسيا – الأهداف الفعلية لهذا اللقاء. وترى مصادر قبرصية أن هذا الطرح لا يعكس توافقًا حقيقيًا بين أطراف القمة، بقدر ما يخدم حسابات سياسية داخلية لنتنياهو، الذي يواجه ضغوطًا متزايدة على المستويين الداخلي والدولي.
التحفّظ القبرصي لا ينطلق فقط من الرغبة في تجنب التصعيد مع تركيا، بل يرتبط أيضًا بحسابات أكثر عمقًا تتعلق بمستقبل قضية توحيد الجزيرة. فالتصعيد الإقليمي، وفق تقديرات نيقوسيا، قد يخلق بيئة سياسية غير مواتية لإعادة إطلاق محادثات السلام، لا سيما في ظل التغيرات الأخيرة في المشهد السياسي شمال قبرص، والتي تتطلب هامشًا دبلوماسيًا واسعًا بدل الانخراط في استقطابات حادة.
وفي هذا الإطار، جاء نفي وزارة الدفاع القبرصية للتسريبات الإسرائيلية حول تشكيل قوة عسكرية مشتركة ليعكس رغبة واضحة في ضبط إيقاع الخطاب السياسي والإعلامي. وأكدت الوزارة أن التعاون القائم مع إسرائيل واليونان يظل محصورًا في نطاق التخطيط الدفاعي وتبادل الخبرات، وهو تعاون لا يرقى إلى مستوى التحالف العسكري ولا يستهدف أي دولة بعينها.
مصادر دبلوماسية مطلعة تشير إلى أن قبرص تتعامل مع الملف من منظور استراتيجي بالغ الحساسية، إذ إن أي توتر مفتوح مع تركيا قد ينعكس سلبًا على موقعها داخل الاتحاد الأوروبي وعلى دورها كطرف يسعى إلى لعب دور توافقي في شرق المتوسط، بدل أن يتحول إلى جزء من محاور متصارعة.
ويخلص مراقبون إلى أن الموقف القبرصي يعكس إدراكًا متزايدًا لمحدودية هامش المناورة أمام الدول الصغيرة في بيئة إقليمية مضطربة، حيث يصبح الحفاظ على التوازنات والعلاقات المتشابكة خيارًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الشراكات الثنائية أو الثلاثية. وفي هذا السياق، تبدو نيقوسيا حريصة على الفصل بين تعاونها مع إسرائيل واليونان من جهة، ورفضها الانخراط في سياسات تصعيدية قد تزيد من تعقيد ملفاتها السيادية والإقليمية من جهة أخرى .

