السبت, يناير 24, 2026

الأكثر

الرئيسيةالمحطة الدوليةبندول أردوغان: عالق بين مسار تل أبيب الحربي ورباط واشنطن

بندول أردوغان: عالق بين مسار تل أبيب الحربي ورباط واشنطن

السكة – المحطة الدولية

مع اقتراب عام 2025 من نهايته، لا تزال غرب آسيا تغلي على وقع سلسلة من الارتدادات التي أطلقتها الانتفاضات العربية في عقد 2010. ما بدأ كاحتجاجات اجتماعية تحوّل إلى حروب متداخلة، واغتيالات موجّهة، وصراعات جيوسياسية محتدمة. من ليبيا إلى السودان، ومن الخليج إلى شرق المتوسط، تخوض قوى محلية وإقليمية معارك جانبية تتصاعد باستمرار.

وسط هذه العاصفة، تقف تركيا لا كلاعب فحسب، بل كغنيمة أيضًا. فبعد أن كانت تُصوَّر كجسرٍ محوري لحلف الناتو نحو المنطقة، تجد أنقرة نفسها اليوم موضع شدّ وجذب بين محاور متنافسة، فيما تعود سوريا مرة أخرى إلى قلب المواجهة.

تحطّم طائرات وأسئلة مفتوحة

في تشرين الثاني/نوفمبر، تحطمت طائرة عسكرية تركية من طراز C-130 في جورجيا أثناء عودتها من أذربيجان. وبعد أسابيع، في 23 كانون الأول/ديسمبر، تحطمت طائرة تقلّ رئيس أركان القوات التابعة لحكومة غرب ليبيا، محمد الحداد – أحد أقرب حلفاء الرئيس رجب طيب أردوغان – قرب بلدة هايمانـا خارج أنقرة، بينما كان في زيارة رسمية لإجراء محادثات رفيعة المستوى.

قبل ذلك بقليل، كان البرلمان التركي قد مدّد مهمة بلاده العسكرية في ليبيا لعامين إضافيين. وفي ظل هذا التزامن، انتشرت تكهنات واسعة حول احتمال التخريب.

في اليوم السابق، 22 كانون الأول، عقد قادة إسرائيل واليونان وقبرص قمة في القدس الغربية لتكريس “شراكتهم في مجال الطاقة” بشرق المتوسط. وخلال القمة، وجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسالة غير مباشرة إلى أنقرة قائلًا:

“أولئك الذين يتوهمون أنهم قادرون على إعادة تأسيس إمبراطورياتهم وبسط هيمنتهم على أرضنا، عليهم أن ينسوا ذلك.”

وقد فُهم التصريح على نطاق واسع باعتباره إشارة إلى الطموحات “العثمانية الجديدة” لتركيا.

وتضمّن اللقاء بحث إنشاء قوة تدخل سريع مشتركة. ولاحقًا، وقّع مسؤولون عسكريون اتفاق تعاون في نيقوسيا يشمل تدريبات مشتركة للقوات الخاصة، وتبادل خبرات في مواجهة الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية، وجدولًا مكثفًا من المناورات البرية والبحرية والجوية. الهدف الضمني لهذا الحلف: تركيا.

سوريا تتغير… والحدود تُعاد صياغتها

في الوقت الذي تُحكم فيه إسرائيل طوق تحالفاتها، توجّه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ووزير الدفاع يشار غولر، ورئيس الاستخبارات إبراهيم قالن إلى دمشق. وقيل إن الزيارة جاءت على خلفية شائعات حول اتفاق مؤرخ في 10 آذار/مارس بين الحكومة السورية الانتقالية و”قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة أميركيًا، يمنح الأكراد حكمًا ذاتيًا طال انتظاره مع بُعد عسكري. غير أن الزيارة لم تُسفر عن اختراق يُذكر.

في اليوم نفسه الذي تحطمت فيه الطائرة الليبية، كان قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في بنغازي، معقل “الجيش الوطني الليبي” المناوئ لحكومة طرابلس. وهناك وقّع اتفاقًا لشراء عتاد عسكري بقيمة تُقدَّر بنحو 4 مليارات دولار.

ورغم أن أنقرة دعمت طرابلس بقوة منذ الإطاحة بمعمر القذافي، فإنها فتحت قنوات تواصل هادئة مع بنغازي في السنوات الأخيرة. إلا أن اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة، الموقّع مع طرابلس، يبقى بلا قيمة قانونية ما لم يصادق عليه البرلمان في الشرق.

هكذا، جاء تحطم الطائرة في قلب شبكة شديدة الاشتعال من التنافسات، ما جعل خصوم أنقرة الإقليميين يتعاملون مع الحادثة بعين الشك.

جبهات جديدة: من القرن الإفريقي إلى الناتو

على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، شكّل اعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال” جبهة إضافية في حرب الظل مع تركيا. ففي حين تستثمر أنقرة بكثافة في الصومال وتطرح نفسها وسيطًا، جاءت الخطوة الإسرائيلية لتقويض جهود إعادة توحيد البلاد. ومع توسع النفوذ الإسرائيلي، باتت تركيا في مرمى الاستهداف.

رغم استفادة إسرائيل من عضوية الناتو بفضل موافقة تركيا، فإن تل أبيب لم تعد ترى أنقرة لاعبًا رماديًا، بل منافسًا استراتيجيًا في غرب آسيا. ويتجلى ذلك في تعطيل إسرائيل لعودة تركيا إلى برنامج مقاتلات F-35.

وقد تضمّن قانون موازنة الدفاع الأميركية لعام 2026 بنودًا تحمي “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل بشكل يسمح لتل أبيب بإفشال الطموحات التركية بسهولة.

خطابات غاضبة… وأفعال متناقضة

لا يزال أردوغان يفضّل ترميم علاقته بمحور واشنطن–تل أبيب. لكن الواقع يتقدّم أسرع من حساباته. فالرأي العام التركي منقسم: هل خطاباته الحادة حول غزة تعبير عن قيادة إسلامية حقيقية، أم مسرحية تخدم حساباته السياسية؟

هجوم لفظي في شهر، وتجارة مستمرة في الشهر التالي. هذا التناقض يكشف منطقًا أعمق: أردوغان يسعى دومًا إلى نيل الرضى الأميركي.

عندما تتوتر العلاقات مع الغرب، يلتفت شرقًا، مغازلًا منظمة شنغهاي أو خطاب “الجنوب العالمي”. وحين تُفتح الأبواب الغربية مجددًا، يعود أدراجه بسرعة.

هذا المنطق حكم سياسته الخارجية منذ سنوات حزب العدالة والتنمية الأولى. من أفغانستان إلى العراق وسوريا، ومن ليبيا إلى البلقان، لعب أردوغان دومًا داخل الإطار الذي رسمته واشنطن.

إسرائيل تعيد رسم خريطة الحرب

اليوم، ترى تل أبيب أن تركيا هي ثاني أخطر تهديد إقليمي بعد إيران، ليس بسبب هجوم وشيك، بل بسبب تضارب المشاريع في سوريا.

إسرائيل تريد دمشق منزوعـة السلاح وخاضعة. تركيا تريد نفوذًا، وقواعد، وقوة سورية موالية.

وقد أعادت إسرائيل تأطير حربها – من غزة والضفة، إلى لبنان واليمن وسوريا وإيران – ضمن سردية كبرى: إعادة تشكيل المنطقة بالقوة.

حتى الأسماء التي تطلقها على عملياتها مشبعة برموز توراتية. فحملة 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، التي دمّرت ما يُقدّر بـ90% من القدرات العسكرية السورية، سُمّيت “سهام باشان”، في إشارة إلى منطقة توراتية شرق الجولان. وهكذا، يكتسب مشروع المنطقة العازلة في جنوب سوريا طابعًا “مسيانيًا” يثير قلق دول عدة.

مخارج أردوغان تضيق

هدف تل أبيب واضح: إخراج تركيا كليًا من سوريا.

أنقرة تراهن على دونالد ترامب لكبح نتنياهو، وتأمل في تسوية سورية–إسرائيلية، وفي دمج “قسد” ضمن الدولة السورية. وإن فشل ذلك، تراهن على موسكو، وربما حتى على عودة إيرانية منسّقة، لإيصال رسالة ردع.

لكن هذا المسار قد يطيح بالرئيس السوري أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، الذي يجري التسامح معه بوصفه ورقة توازن. وكما قال السفير الأميركي مايك هاكابي بوضوح:

“الشرع يعرف أن طريق بقائه هو السلام مع إسرائيل.”

تركيا اليوم عالقة في شبكة جبهات متداخلة. ما يحدث في غزة، أو بنغازي، أو أرض الصومال، يتردد صداه حتمًا في دمشق. والبندول الذي يحاول أردوغان تأرجحه بين تل أبيب وواشنطن، بات يقترب من نقطة الانكسار 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا