السكة – المحطة الفلسطينية
رغم صمت الطائرات وتراجع القصف، لم يتوقف الموت في غزة. فـ“وقف إطلاق النار” لم يكن سوى انتقال من القتل السريع إلى الإبادة البطيئة، حيث يواصل المرض والجوع والبرد والحصار حصد أرواح الفلسطينيين بصمت.
نَجاة السيد الهسي، فلسطينية تبلغ من العمر 61 عاماً، لم تتلقَّ علاجها الشهري من السرطان منذ أكثر من 27 شهراً. كانت تستعد للسفر إلى رام الله لتلقي العلاج في السابع من أكتوبر 2023، لكن الحرب اندلعت في ذلك اليوم، ومنذ ذلك الحين أُغلقت الأبواب في وجهها. اليوم، تعيش في خيمة بدير البلح، تراقب المرض ينهش جسدها دون دواء أو أمل.
تقول نجاة: “لم يتغير شيء لمرضى السرطان بعد وقف النار. المرض يتقدم وأنا أنتظر”. حالتها ليست استثناءً، بل نموذجاً لمعاناة أكثر من 11 ألف مريض سرطان في غزة، آلاف منهم يحملون تحويلات طبية للعلاج خارج القطاع، لكنها بلا قيمة في ظل إغلاق المعابر.
القطاع الصحي في غزة شبه منهار. أكثر من نصف الأدوية الأساسية مفقودة، ونحو ثلثي المستلزمات الطبية غير متوفرة، فيما توقفت الفحوصات التشخيصية بالكامل. الأطباء يؤكدون أن نقص الأدوية المركبة جعل العلاجات المتاحة عديمة الجدوى، وأن وفيات مرضى السرطان تضاعفت أو تضاعفت ثلاث مرات مقارنة بما قبل الحرب.
ولا يقتصر الموت البطيء على المرضى وحدهم. فالأطفال حديثو الولادة يدفعون الثمن أيضاً. بيانات “اليونيسف” تشير إلى ارتفاع وفيات المواليد بنسبة 75% في الأشهر الأخيرة من الحرب، وهي أسباب لا تزال قائمة حتى بعد وقف إطلاق النار، من سوء تغذية وانهيار الخدمات الصحية وانعدام الأمان.
وغي سياق متصل أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن 21 فلسطينياً، بينهم 18 طفلاً، توفوا جراء البرد منذ بدء الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، وجميعهم كانوا يقيمون في مخيمات نزوح مؤقتة.
وحذّر المكتب من “عواقب إنسانية كارثية” نتيجة موجات البرد الشديدة، مؤكداً أن عدد الضحايا مرشح للارتفاع، خصوصاً بين الأطفال والمرضى وكبار السن، في حال استمرار الأوضاع الحالية دون تدخل عاجل.
وخلال عامين من القصف المكثف، دمرت إسرائيل مساحات واسعة من المنازل والمستشفيات والبنية التحتية المدنية. ولا يزال نحو 1.5 مليون فلسطيني دون مأوى مناسب، في وقت يقيّد فيه الحصار دخول الخيام والمنازل المتنقلة ومواد التدفئة، في خرق لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر.
ووفقاً لآلية “عنقود المأوى”، تضررت أكثر من 42 ألف خيمة ومأوى مؤقت خلال أسبوع واحد فقط من العواصف في ديسمبر 2025، ما أثر على قرابة ربع مليون شخص.
الأمم المتحدة وصفت الوضع في غزة بأنه “كارثي”، مؤكدة أن الشتاء فاقم الأزمة الإنسانية، مع ارتفاع ملحوظ في أمراض الجهاز التنفسي، خاصة بين الأطفال، في ظل نقص حاد في اللقاحات والأدوية، واكتظاظ شديد في المستشفيات
ورغم الهدنة، لا يزال الفلسطينيون يُقتلون يومياً بنيران إسرائيلية متفرقة. فمنذ بدء وقف النار في أكتوبر، قُتل مئات الفلسطينيين وأُصيب أكثر من ألف. ووصفت “اليونيسف” هذه المرحلة بأنها “وقف إطلاق نار يقتل الأطفال”.
الخوف ما زال يسيطر على الحياة اليومية. كثير من الأهالي يترددون في إرسال أطفالهم إلى المدارس، فيما تستمر عمليات التهجير القسري بسبب ما يُعرف بـ“الخط الأصفر” الذي فرضته إسرائيل، وهو منطقة محظورة تمتد تدريجياً لتلتهم نحو 60% من مساحة غزة، مانعة السكان من العودة إلى منازلهم.
في الوقت نفسه، يعيش أكثر من مليون ونصف فلسطيني في خيام متهالكة للعام الثالث على التوالي. الشتاء تحوّل إلى عدو إضافي؛ الأمطار والرياح دمّرت آلاف الخيام، وانهيارات المباني أودت بحياة العشرات، بينهم أطفال قضوا برداً. بالنسبة للأمهات، لم يعد الشتاء فصلاً من فصول السنة، بل “هجوماً جديداً” يجب النجاة منه.
إلى جانب ذلك، شددت إسرائيل القيود على عمل المنظمات الدولية، ما أدى إلى منع عشرات المؤسسات من العمل داخل غزة، وترك أطنان من الغذاء والدواء عالقة خارجها. لكن الأخطر، بحسب السكان، هو تدمير أي قدرة لغزة على الاكتفاء الذاتي.
فقد دُمّر أو صودر أكثر من 80% من الأراضي الزراعية، وشُلّ قطاع الصيد بنسبة تقارب 95%. الصيادون يتعرضون لإطلاق النار والاعتقال، ما حوّل غزة من منطقة كانت تنتج غذاءها إلى مجتمع يعتمد كلياً على المساعدات الخارجية.
الرسالة واضحة، كما يقول سكان غزة: ليس المطلوب فقط تجويع الناس، بل إبقاؤهم ضعفاء، عاجزين، ومعتمدين. فبعد أن توقفت القنابل، استمرت الإبادة… ولكن ببطء.
المصدر ميديل إيست آي

