السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
في الوقت الذي يستقبل فيه الفلسطينيون شهر رمضان بأجواء روحانية واجتماعية خاصة، يعيش آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال واقعًا مختلفًا تمامًا؛ واقعًا تملؤه المعاناة اليومية، وتثقل أيامه إجراءات قاسية تتضاعف حدتها خلال الشهر الفضيل. فخلف الجدران العالية والأبواب الحديدية، تتحول تفاصيل الحياة البسيطة إلى اختبارٍ يومي للصبر والقدرة على الاحتمال.
الأسرى المحررون الذين عايشوا هذه التجربة يروون جانبًا من تلك المعاناة التي قد لا تصل تفاصيلها الكاملة إلى العالم الخارجي. فشهاداتهم تكشف كيف يتحول رمضان داخل السجون إلى فصل آخر من فصول الألم.
الأسير المحرر مرشد شوامره يتحدث عن واحدة من أكثر التجارب قسوة بالنسبة للأسرى، وهي عمليات النقل بين السجون. ويقول إن التنقل من سجن إلى آخر ليس أمرًا عاديًا بالنسبة للأسير، بل تجربة مرهقة ومخيفة، تزداد قسوتها في شهر رمضان. ويوضح أن السجانين يتعاملون بقدر أكبر من القسوة خلال عمليات النقل، حيث يتعرض الأسرى لساعات طويلة من الانتظار والتقييد، وقد يُحرم بعضهم من الطعام لفترات قد تمتد ليوم أو أكثر. ويضيف أن الأسرى يرددون دائمًا عبارة: “النقل سجن جديد”، لأن كل عملية نقل تعني بداية معاناة مختلفة في مكان آخر، لكن في رمضان تبدو هذه المعاناة مضاعفة.
أما الأسير المحرر ثامر سباعنة فيتوقف عند جانب آخر من معاناة الأسرى، وهو التغيّر الذي يطرأ على ملامحهم مع مرور الزمن داخل السجن. ويشير إلى أن الأسير قد لا يجد في المعتقل مرآة يرى فيها وجهه، لكن ذات يوم لمح انعكاس صورته على زجاج نافذة باهتة، فوقف طويلًا وكأنه يواجه شخصًا غريبًا. لم يتعرّف بسهولة إلى ملامحه التي غيّرها التعب والجوع والسنوات الطويلة خلف القضبان. ويضيف أن السجن يترك أثره على الجسد والروح معًا، حتى يفضّل الأسير أحيانًا ألا يرى انعكاس صورته مرة أخرى، محتفظًا في ذاكرته بالشكل الذي يعرفه لنفسه قبل الاعتقال. ويتساءل سباعنة: إذا كان هذا حالهم في الأيام العادية، فكيف يكون حالهم في رمضان مع الجوع والإرهاق والحنين إلى العائلة؟
الأسير المحرر (م. ر) يصف بدوره واحدة من الممارسات اليومية داخل السجون، وهي ما يُعرف بعملية “العدد”. ويقول إن هذه العملية تبدأ غالبًا بأمرٍ قاسٍ يطلب فيه السجانون من الأسرى خفض رؤوسهم نحو الأرض، ليبقوا في وضعية الانتظار لفترات قد تمتد أحيانًا لأكثر من ساعة. خلال ذلك يقف الأسرى فوق أرض باردة أو مبتلة، وسط سلسلة من الأوامر والتهديدات التي تزيد الضغط النفسي عليهم. ويضيف أن هذه اللحظات تتحول إلى اختبارٍ حقيقي للصبر، خصوصًا في شهر رمضان، حيث يكون الجسد مرهقًا بسبب الصيام، فيما تزداد الإهانات وطول الانتظار.
ولا تختلف معاناة الأسيرات الفلسطينيات كثيرًا عن معاناة الأسرى الرجال. فالأسيرة المحررة (ب. ط) تروي جانبًا من حياة الأسيرات في الزنازين خلال ليالي الشتاء الباردة، خصوصًا في شهر رمضان. وتقول إن إدارة السجون كثيرًا ما تقلّص عدد الأغطية أو تسحب بعضها، ما يجعل البرد جزءًا من العقاب اليومي. وفي مواجهة هذا الواقع القاسي، تحاول الأسيرات خلق دفء بسيط بوسائل بدائية، فينام بعضهن متلاصقات أو ظهرًا إلى ظهر، ويلتففن ببطانيات مهترئة لتقاسم ما تبقى من حرارة أجسادهن داخل زنازين باردة.
هذه الشهادات ليست سوى نماذج قليلة من واقع معقد يعيشه آلاف الأسرى الفلسطينيين داخل السجون. وبينما يعيش العالم أجواء رمضان بالعبادة والطمأنينة، يقضي الأسرى أيامهم ولياليهم في ظروف قاسية، بعيدًا عن عائلاتهم وموائد الإفطار التي طالما جمعَتهم بأحبّتهم.
ورغم كل ذلك، تبقى لدى الأسرى قناعة راسخة بأن الليل مهما طال لا بد أن يعقبه فجر، وأن الحرية التي ينتظرونها ستأتي يومًا، لتعيدهم إلى عائلاتهم وحياتهم التي توقفت لحظة الاعتقال.

