السكة – محطة المقالات – ثامر سباعنة
في أدبياتنا الحركية والدعوية يكثر الحديث عن الجُندية وواجبات الجندي، بينما يقل الحديث عن القائد، وصناعة القيادة، وصفات القائد الحقيقي ودوره في بناء الأمة. مع أن القرآن الكريم، وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وسير الأنبياء والرسل، زاخرة بالنماذج القيادية العظيمة؛ لما للقيادة من أثر بالغ في توجيه المجتمعات، وبناء الإنسان، وصناعة الوعي والدافعية لدى الأفراد.
لقد صنع الرسول صلى الله عليه وسلم قادةً عظماء، حملوا الرسالة، وأثروا في مجتمعاتهم، وربّوا الناس تربيةً فريدة، حتى فتح الله بهم البلاد وقلوب العباد.
إن القيادة الواعية اليوم من أكثر ما تفتقده أمتنا، فقد قبل كثيرون أن يعيشوا على هامش الحياة، وفقدوا هويتهم وذاكرتهم، وجلسوا ينتظرون البطل أو القائد، ونسوا أن بإمكان كل واحد منهم أن يكون قائدًا وصانع تغيير.
صُنعُ القيادةِ أنْ تُقدِّمَ دائمًا
في كلِّ يومٍ للحياةِ مزيدًا
صُنعُ القيادةِ أنْ تؤثِّرَ لا بأنْ
تبقى بها متأثِّرًا مقيودا
ما ضرَّ فجركَ لو تلألأ باسمًا
فغدا يُصاغُ قلائدًا وعقودا
ومن الشجاعةِ أن نُربِّي سادةً
لا أن نُربِّي للجهادِ عبيدا
نعم، نحن اليوم بحاجة إلى تربية القادة لا العبيد، بحاجة إلى صناعة العظماء لا صناعة الضعفاء والجبناء. نحتاج إلى أصحاب الرأي والمبادرة، إلى المغيرين وأصحاب الهمم العالية، لا إلى أولئك الذين يسيرون مع التيار ويُطأطئون رؤوسهم وأرواحهم أمام عدوهم وأمام ضعفهم الداخلي.
إن المهمة الأساسية للقائد الناجح لا تتمثل في إصدار الأوامر فقط، بل في الاحتضان، والمساعدة، واكتشاف الطاقات والقدرات، والمحافظة عليها، وتسخيرها لخدمة الفرد أولًا ثم لخدمة الجماعة والعمل.
ومن أروع النماذج القيادية التي عرضها القرآن الكريم قصة سيدنا سليمان عليه السلام مع الهدهد، والتي تجلت فيها مجموعة من صفات القائد الحقيقي الواعي.
أولًا: الدقة والانتباه واليقظة
رغم ضخامة جيش سيدنا سليمان وكثرة جنوده، إلا أنه انتبه لغياب فرد واحد من جنوده، وهو الهدهد، فقال تعالى:
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: 20].
فالقائد الحقيقي لا يُهمل الأفراد مهما صغرت أدوارهم، بل يشعر بقيمة كل عنصر في فريقه.
ثانيًا: الحزم
كان لا بد للقائد أن يكون حازمًا أمام جنوده، خاصة أن غياب الهدهد أصبح ظاهرًا أمام الجميع، فقال سليمان عليه السلام:
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: 21].
فالحزم يحفظ هيبة القيادة ويمنع الفوضى والاستهتار.
ثالثًا: العدل
ورغم تهديده للهدهد، إلا أن سليمان لم يكن ظالمًا أو مستبدًا، بل أعطاه فرصة للدفاع عن نفسه، فقال:
﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: 21].
فالقيادة العادلة لا تُصدر الأحكام قبل سماع الطرف الآخر.
رابعًا: عدم التسرع في الحكم
لم يتسرع سليمان عليه السلام في تصديق الهدهد أو تكذيبه، بل قال:
﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: 27].
وهذه من أعظم صفات القائد الناجح؛ التثبت والتحقق قبل اتخاذ القرار.
خامسًا: اكتشاف مكامن القوة لدى الأفراد
أدرك سليمان عليه السلام قدرات الهدهد، فكلفه بالمهمة المناسبة لقدراته، فقال:
﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: 28].
فالقائد الناجح هو من يكتشف مواهب جنوده ويوجهها في المكان الصحيح.
سادسًا: وضوح المهام
لم يكتفِ سليمان بإرسال الهدهد، بل حدد له المهمة بدقة:
﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: 28].
فوضوح المهام من أهم عوامل نجاح أي عمل قيادي.
سابعًا: التواضع
من أعظم صفات القائد الناجح أن يدرك أن القوة والعلم والنجاح فضل من الله تعالى، فقال سليمان عليه السلام:
﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40].
فالتواضع يرفع القائد في أعين الناس، ويجعله أكثر قربًا من القلوب.
إن القيادة لا تقتصر على الأنبياء والملوك والرؤساء، بل تشمل كل إنسان في موقعه ومسؤوليته، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
فالأب قائد في أسرته، والأم قائدة في بيتها، والمعلم قائد في مدرسته، وإمام المسجد قائد في مجتمعه. وكل واحد منا مسؤول عن غرس قيم العزة والكرامة والشجاعة، وعن صناعة أجيال تمتلك روح القيادة لا عقلية التبعية والخضوع.
علينا أن نربي أبناءنا على الثقة بالنفس، وعلى المبادرة، وعلى تحمّل المسؤولية، وأن نزرع فيهم روح التغيير والإبداع، لا روح الخوف والانكسار.
ولعل أعظم درس نتعلمه أن المحن كثيرًا ما تصنع القادة، فلولا البلاء والمحنة لما خرج يوسف عليه السلام من السجن ليصبح عزيز مصر.
إن الأمم العظيمة لا تُبنى بالعبيد، بل تُبنى بالقادة، بالأحرار، بأصحاب الرسالة والهمّة والإرادة.

