السكة – محطة المقالات – بقلم ثامر سباعنة
في عالم اليوم، لم تعد الدبلوماسية تقتصر على اللقاءات الرسمية بين الحكومات أو المفاوضات السياسية، بل أصبحت القوة الناعمة واحدة من أكثر الأدوات تأثيرًا في تشكيل الرأي العام العالمي والدفاع عن القضايا الإنسانية. فالكلمة، والصورة، والفن، والإعلام، والبحث العلمي، ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت جميعها وسائل قادرة على تحريك الضمير الإنساني، وإحداث ضغط أخلاقي وسياسي يتجاوز الحدود.
وتعد قضية الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي من القضايا التي تحتاج إلى توظيف هذا النوع من الدبلوماسية بصورة أكثر احترافية واستدامة. فالأسيرات لا يواجهن الحرمان من الحرية فحسب، بل يعانين من ظروف اعتقال قاسية، تشمل الإهمال الطبي، وسوء التغذية، والتفتيش المهين، والعزل، وحرمان العديد منهن من الزيارات، إلى جانب الآثار النفسية والاجتماعية التي تمتد إلى أسرهن وأطفالهن.
إن دبلوماسية القوة الناعمة تبدأ من رواية القصة الإنسانية للأسيرة الفلسطينية. فعندما تُعرض معاناتها بلغة حقوق الإنسان، بعيدًا عن الخطابات التقليدية، تصبح أكثر قدرة على الوصول إلى الشعوب والمؤسسات الدولية. فالأفلام الوثائقية، والروايات، والرسوم الكاريكاتيرية، والمعارض الفنية، والبودكاست، والحملات الرقمية متعددة اللغات، جميعها أدوات قادرة على نقل صوت الأسيرات إلى العالم.
كما يقع على عاتق الجامعات ومراكز الأبحاث مسؤولية إعداد الدراسات القانونية والإنسانية التي توثق الانتهاكات الواقعة بحق الأسيرات، وربطها بالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وغيرها من المواثيق الدولية. فالتوثيق العلمي يمنح القضية مصداقية أكبر أمام المؤسسات الدولية وصناع القرار.
وللمثقفين والكتاب والإعلاميين دور لا يقل أهمية، إذ يستطيعون تحويل معاناة الأسيرات إلى قضية إنسانية عالمية، من خلال المقالات والكتب والبرامج التلفزيونية والمحتوى الرقمي بلغات مختلفة، بما يساهم في كسر حالة الصمت وإبقاء القضية حاضرة في الوعي العالمي.
وتبرز أيضًا أهمية الدبلوماسية الشعبية، التي يقودها الفلسطينيون وأصدقاء فلسطين حول العالم، عبر تنظيم الندوات والمعارض والوقفات التضامنية، وإطلاق الحملات الإلكترونية، والتواصل مع البرلمانات والمنظمات الحقوقية والنسوية، للمطالبة بحماية الأسيرات وضمان حقوقهن الأساسية وفق القانون الدولي.
إن نجاح القوة الناعمة لا يقاس بردود الفعل الآنية فقط، بل بقدرتها على بناء رأي عام عالمي متعاطف مع القضية، وتحويل هذا التعاطف إلى مواقف عملية وضغوط سياسية وقانونية. وقد أثبتت تجارب عالمية عديدة أن القضايا الإنسانية التي نجحت في الوصول إلى ضمير الشعوب كانت أكثر قدرة على تحقيق التغيير من خلال التأثير الأخلاقي والإعلامي المستمر.
إن نصرة الأسيرات الفلسطينيات ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية كل صاحب قلم، وكل فنان، وكل أكاديمي، وكل ناشط يؤمن بأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ. فحين تتكامل أدوات القوة الناعمة، تصبح صوتًا عالميًا يدافع عن العدالة، ويمنح الأسيرات مساحة أوسع للحضور في الوعي الإنساني، حتى ينلن حقوقهن وحريتهن.

